فالعلة التي جاز من أجلها قتل النساء والصبيان في حال البيات هي الحاجة إلى إضعاف قوة العدو وضرب قدرته على المقاومة، بقتل رجاله وهدم حصونه حتى لو ذهب غير المقاتلة ضحية لذلك، فإذا كانت العلة المبيحة لقتل النساء والصبيان هي إضعاف العدو عن المقاومة، - كما يتضح ذلك من مجموع النصوص المبيحة لقتل النساء والصبيان وستأتي -، فإن قتل النساء والصبيان بسبب استهداف مراكز قوى العدو الإستراتيجية هو بمثابة الغارة لأن العلة التي جاز من أجلها قتل النساء والصبيان من الكفار في الغارة هي متوفرة بشكل أكبر في المواقع الإستراتيجية للعدو بما يزيد على مصلحة قتل المقاتلة فقط، فمن أجاز قتل معصومي الدم لأنهم لم يتميزوا عن المقاتلة فإنه يجيز قتلهم لأنهم لم يتميزوا عن المواقع الإستراتيجية التي هي أهم من المقاتلة من باب أولى وفقًا للأصول.
الحالة الثالثة
ويجوز قتل من يحرم قتله من النساء والصبيان والشيوخ وغيرهم من معصومي الدم وذلك في حال لو حملوا السلاح على المسلمين أو قاموا بأعمال تعين على الأعمال القتالية سواءً بالتجسس أو الإمداد أو الرأي أو غيرها وهذا واضح بسبب تعليل الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود عن رباح بن ربيع رضي الله عنه قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة فرأى الناس مجتمعين على شيء فبعث رجلا فقال (انظر علام اجتمع هؤلاء؟) فجاء فقال على امرأة قتيل فقال (ما كانت هذه لتقاتل) قال وعلى المقدمة خالد بن الوليد فبعث رجلا فقال (قل لخالد لا يقتلن امرأة ولا عسيفًا) .قال ابن حجر في الفتح 6/ 148 (فإن مفهومه أنها لو قاتلت لقتلت) وقال النووي في شرح صحيح مسلم 7/ 324 (أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث وتحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا، فإن قاتلوا قال جماهير العلماء يقتلون) وقال (وكذلك كل من لم يكن من أهل القتال لا يحل قتله إلا إذا قاتل حقيقة أو معنى بالرأي والطاعة والتحريض وأشباه ذلك) وتأمل قوله (قاتل حقيقة أو معنى بالرأي والطاعة والتحريض وأشباه ذلك) .
قال شيخ الإسلام في السياسة الشرعية 132 - 133 (وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة كالنساء والصبيان والراهب، والشيخ الكبير والأعمى الزّمِن ونحوهم فلا يُقتل عند جمهور العلماء إلا أن يقاتل بقوله أو فعله، وإن كان بعضهم يرى إباحة قتل الجميع لمجرد الكفر والأول هو الصواب) فتأمل أيضا
قوله (إلا أن يقاتل بقوله أو فعله) وهذا الكلام وكلام النووي السابق، يدل على أن من يحرم قتلهم قصدًا إذا أعانوا بأقوالهم أو أفعالهم لمحاربة المسلمين جاز استهدافهم بالقتل.