فهرس الكتاب

الصفحة 375 من 575

ولكن لا يقيمون. فصل/ وأما أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - فعنده: لهم دخول الحرم كله حتى الكعبة نفسها، ولكن لا يستوطنون به. وأما الحجاز فلهم الدخول إليه والتصرف فيه والإقامة بقدر قضاء حوائجهم، وكأن أبا حنيفة - رحمه الله تعالى - قاس دخولهم مكة على دخولهم مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يصح هذا القياس، فإن لحرم مكة أحكامًا يخالف بها المدينة، على أنها ليست عنده حرمًا ا. هـ [1]

قال النووي: وفي هذا دليل على أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب إخراجهم من بعضها وهو الحجاز خاصة لأن تيماء من جزيرة العرب لكنها ليست من الحجاز ا. هـ [2] والذي يظهر أن جزيرة العرب هي الحجاز وحدها لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاءه لم يخرجوهم من اليمن، ولأن عمر لم يخرج إلا يهود خيبر إلى تيماء، فقد أخرج البخاري عن عمر أنه أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز، وذكر يهود خيبر إلى أن قال: أجلاهم عمر إلى تيماء وأريحاء. فإن قيل: ألم يخرج الإمام أحمد عن أبي عبيدة بن الجراح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب"؟ فيقال: لعله عند من يصححه يحمل على أن إخراجهم لأمر خارجي لا لكونهم كفار بدلالة أنه لم يخرج غيرهم من الكفار في بقية جزيرة العرب كاليمن مثلًا.

هذا ما رجحه أبو عبيد في كتاب الأموال فقال: وإنما نرى عمر استجاز إخراج أهل نجران - وهم أهل صلح - لحديث يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم فيهم خاصة. يحدثونه عن إبراهيم بن ميمون مولى آل سمرة عن ابن سمرة عن أبي عبيدة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان آخر ما تكلم به أن قال:"أخرجوا اليهود من الحجاز، وأخرجوا أهل نجران من جزيرة العرب"قال أبو عبيد: وإنما نراه قال ذلك صلى الله عليه وسلم لنكث كان منهم، أو لأمر أحدثوه بعد الصلح، وذلك بين في كتاب كتبه عمر إليهم قبل إجلائه إياهم منها ا. هـ [3]

فإذا كانت المسألة اجتهادية فلا يجوز لأحد أن يلزم غيره بقوله بالإجماع كما حكاه ابن تيمية فقال: وإما إلزام السلطان في مسائل النزاع التزام قولٍ بلا حجة من الكتاب والسنة، فهذا لا يجوز باتفاق المسلمين ولا يفيد حكم حاكم بصحة قول دون قول في مثل ذلك إلا إذا كان معه حجة يجب الرجوع إليها فيكون كلامه قبل الولاية وبعدها سواء، وهذا بمنزلة الكتب التي يصنفها في العلم. نعم الولاية تمكنه من قول حق ونشر علمٍ قد كان يعجز عنه بدونها، وباب القدرة والعجز غير باب الاستحقاق وعدمه. نعم للحاكم إثبات ما قال زيد وعمرو ثم بعد ذلك إن كان ذلك القول مختصًا به كان مما يحكم فيه الحكام، وإن كان من الأقوال العامة كان من باب مذاهب الناس ... ا. هـ [4]

(1) أحكام أهل الذمة (1/ 392) .

(2) شرح مسلم (10/ 212 - 213) .

(3) كتاب"الأموال"ص100.

(4) مجموع الفتاوى (3/ 240) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت