فهرس الكتاب

الصفحة 384 من 575

لانشغال عسكر المسلمين بفتوحٍ، أو لانشغال إمام المسلمين بأمرٍ نزل به، أو نازلةٍ حلَّت بالمسلمين دون تعطيلٍ له، ويجوز تأخيره لمصلحةٍ للمسلمين في بقاء ذلك العدوِّ سواء كان بهدنةٍ أو بغيرِها مع التزام قتاله وعدم استدامةِ الهدنةِ.

وأبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه كان فترةَ خلافتِهِ مشغولًا بقتال المرتدِّين والروم، ولم يلبث بعد استقرار الأمر حتى قبضه الله، أما عمر فلما جاءه الثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب أجلى اليهود من خيبرَ في القصة المعروفة.

فلا يحتج أحد بترك الصديق لليهود في خيبر، ولا بترك الفاروق لهم أو لغيرهم في غيرها، إلا حيثُ كانت الحال واحدة بأن كانوا مستوطني الأرض يسكنون الديار من أول الأمر، بخلاف من وَرَد عليها بعد النهي، وكان دخولُهُ انتهاكًا لأرض الجزيرة واعتداءً عليها.

وإذا استبان هذا الأصل من التفريق بين الموجودين قبل النهي، ومن دخلوا بعد النهي؛ زالت الشبهة في احتجاج من احتج ببقاء بعض المشركين في الجزيرة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

ـ وأما من احتج بمن دخل الجزيرة من بعد كأبي لؤلؤة المجوسي الَّذي ثبت بالأسانيد الصحيحةِ أنَّه كان مشركًا؛ فأبو لؤلؤة كان رقيقًا، والرقيق من جملة أموال المسلمين وليسوا كالأحرار في الأحكام، ولذا أجاز كثيرٌ من أهل العلم وطأ الأمة غير الكتابية ولم يُجِز أحدٌ نكاحَها، وجوزوا الاستعانة بالرقيق المشرك واختلفوا في الاستعانة بالمشرك الحر، ودية الرقيق المشرك والمؤمن واحدةٌ لا تزيد دية المسلم منهما على الكافر وهي قيمتُهُ، وغير ذلك من الأحكام التي يُعامل فيها الرقيق من جهة كونه مالًا من جملة الأموال ولا يُنظر لدينه، ولو فُرض أنَّ واحدًا من هؤلاء أُعتقَ بعد أن دخل المدينة كانت حاله كحال اليهود الذين كانوا في خيبر وغيرهم، ممن دخل بسببٍ مُباحٍ، فبقاؤه بعده استمرارٌ واستدامةٌ لما كان أصله مشروعًا، وليس إنشاءً وابتداءً للإقامة كما لا يخفى.

ومن أبردِ الشُّبَهِ التي أُوردت على هذا الحديث المحكم البيِّن من زعم أنَّ الحديث لا يقتضي قتالهم بل أمر بالإخراج، وزعموا بعد ذلك أنَّ الحديث لا يدل على القتال لا بالمنطوق ولا المفهوم! مع أنَّ الأمر بإخراجهم مطلقٌ لم يُقيَّد بوسيلةٍ لا بالإنذار ولا بالقتالِ، ومن كتب هذا الاعتراض خَلَطَ بين المنطوق والمفهوم، والنص والظاهر؛ فهو لا يدلُّ على القتال بنصِّهِ، ولكنَّه دالٌّ عليه بمنطوقِهِ الَّذي هو مطلقٌ في الإخراج، فكل ما كان إخراجًا لهم كان من دلالةِ المنطوقِ، سواء الإنذار أو القتال، على أنَّ المخالفين في معنى هذا الحديث لا يخالفون في أنَّ خروجهم بالإنذار كافٍ، ولكنهم يرون أن القتال لمن لم يكن له الإنذار كافيًا، وهذا على فرضِ أنَّ مناط قتال المشركين في الجزيرة اليوم هو مجرد دخولهم جزيرة العرب بقطع النظر عن بقية العلل الأُخرى.

ومن الشبه الواهيةِ التي أُوردَت على الاستدلال بهذا الحديث، واعتُرضَ بها من نهض لامتثال أمر محمد صلى الله عليه وسلم والقيام بوصيته: أنَّ المراد بالحديثِ أخرجوا المشركين المحاربين للمسلمين من جزيرة العرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت