وكفى مثالًا على جدوى العمليّات الاستشهاديّة و بالغِ أثَرِها في العصر الحديث، أنّها أرغمت أنوف القادةِ الروس على إنهاء حربهم الأولى على الشيشان قبل عِدّة سنوات، و أتت بهم صاغرين إلى التفاوض مع المجاهدين وقد تمخّضت المفاوضات يومئذٍ عن هدنة السنوات الخمس، التي ردّت الروس على أدبارهم، و قَلَبتهم على أعقابهم، لا يلوون على شيء، و لا يتطلّعون إلى أكثر من حقن دماء من تبقّى من جهودهم، بعد أن دبّ الرُّعب في صفوفهم، و فرّق الذعر رأيهم، و أطاش رَميَهم.
ولا يمنع من ذلك ما يراه الناظر بعينٍ واحدة، من همجيّة الرد، و عنجهيّة العدو، فإنّ هذه سنّة الله في عباده، و لنا العزاء في قوله تعالى: (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ و تِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) [آل عمران: 140] وقوله سبحانه: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) [آل عمران: 173] ، وقوله جلّ شأنه: (إِنْ تَكُونُوا تَالَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَالَمُونَ كَمَا تَالَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ) [النساء: 104] .
ونحن نعذر من لم يرَ في العمليّات الاستشهاديّة جدوى، ولم يُعلّق عليها بعد الله أملًا و إن كان صغيرًا، لأن الثمرة اليانعة التي رآها المجاهدون عَيانًا في عمليّاتهم، قد تكون خافيّةً على غيرهم، و خاصّة أولئك الذين قعدوا مع القاعدين، لأنّ (الخفاء و الظهور من الأمور النسبيّة، فربّما ظهر لِبَعض الناس ما حفي على غَيرِه، و يَظهَر للإنسان الواحد في حالٍ ما خَفيَ عليه في حالٍ أخرى، و أيضًا فالمقدّمات و إن كانت خفيّةً فقد يُسلّمها بعض الناس، و يُجادل فيما هو أجلى منها، و قَد تفرَح النفس بما علِمته من البحث و النظر ما لا تَفرَح بما عَلِمَته من الأمور الظاهرة) [شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العزّ الحَنَفي، ص: 112] .اهـ
*** فصل ***
فإن قيل: إنه يقتل في بعض هذه العمليات أناس أبرياء.
فالجواب أن يقال: إنّ في هذا الاعتراض إجمال لابدّ من توضيحه فإن بعض الناس يُطلق كلمة أبرياء ويريد بها حقًا وباطلًا فلابدّ من تمييز الحق من الباطل ثمّ ذكر الحكم.
إنّ لفظ الأبرياء يطلق عند بعض الناس ويقصدون به:
-الكافر الذي لا يحمل السلاح كالطبيب والمهندس ونحوهما وهو ما يسمونه بالمدنيين.
-نساء الكفار وأطفالهم.
-أفراد الجيش الوطني الذي يكون درعًا للغزاة.
-أفراد من المسلمين.
ـ فإن كان المقصود بالأبرياء مَن كان من الكفار قادرًا على حمل السلاح ولكنه لم يحمله ولم يقاتل فإن وصفه بالبريء خطأ وغلط، فإن سنة النبي صلى الله عليه وسلم مضت على أن من كان من العدو قادرًا على حمل السلاح والقتال فإنه