فهرس الكتاب

الصفحة 425 من 575

يُلحق بالمحاربين حتى لو لم يحمل السلاح ويدل على ذلك فعله صلى الله عليه وسلم في بني قريظة عندما نقضوا العهد فإنه قتل كل من بلغ منهم مع أنّ الذين نقضوا العهد هم رؤساؤهم ولكن لما سكتوا على ما فعله رؤساؤهم من نقض العهد دلّ ذلك على رضاهم فغزاهم جميعًا وقتل جميع رجالهم ففي الترمذي وابن ماجة وصححه الألباني عن عطية القرظي قال: [عرضنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قريظة. فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خلى سبيله. فكنت فيمن لم ينبت فخلي سبيلي] .

وقد علق ابن حزم رحمه الله على هذا الحديث بقوله:"فهذا عمومٌ من النبي صلى الله عليه وسلم لم يَسْتَبْقِ منهم عسيفًا ولا تاجرًا ولا فلاحًا ولا شيخًا كبيرًا وهذا إجماعٌ صحيحٌ منهم رضي الله عنهم مُتَيَقَّنٌ لأنهم في عرض من أعراض المدينة لم يخف ذلك على أحد من أهلها". اهـ المحلى 7/ 799.

وقال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في ذكر فوائد هذه الغزوة:"وفيها انتقاض عهد جميعهم بذلك، ردئهم ومباشريهم إذا رضوا بذلك، وأقرّوا عليه ولم ينكروه، فإن الذين أعانوا بني بكر من قريش بعضهم، لم يقاتلوا كلهم معهم، ومع هذا فغزاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم، وهذا كما أنهم دخلوا في عقد الصلح تبعًا، ولم ينفرد كلُّ واحدٍ منهم بصلح، إذ قد رضوا به وأقروا عليه، فكذلك حكم نقضهم للعهد، هذا هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا شك فيه كما ترى، وطردُ هذا جريانُ هذا الحكمِ على ناقضي العهد من أهل الذمة إذا رضي جماعتهم به، وإن لم يباشر كل واحد منهم ما ينقض عهده، كما أجلى عمر يهود خيبر لما عدا بعضهم على ابنه، ورموه من ظهر دار ففدعوا يده، بل قد قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم جميع مقاتلة بني قريظة، ولم يسأل عن كل رجل منهم هل نقض العهد أم لا؟ وكذلك أجلى بني النضير كلهم، وإنما كان الذي همَّ بالقتل رجلان، وكذلك فعل ببني قينقاع حتى استوهبهم منه عبد الله بن أبي، فهذه سيرته وهديه الذي لا شك فيه، وقد أجمع المسلمون على أن حكم الردء حكم المباشر في الجهاد".اهـ من زاد المعاد 3/ 420 - 421.

فإن قيل: إنّ بعض أولئك الكفار كاره لسياسة دولته.

فالجواب: أن الأصل أن يحكم على الكافر حكم دولته فكما أن حكم العهد يشمله مع دولته فكذلك حكم النقض كما سبق بيان ذلك في كلام ابن القيم السابق، ونحن نعاملهم على هذا الأساس ولا نستطيع أن نفرق بين الراضي والكاره، وإذا كان الله سبحانه يخسف بالذين يغزون الكعبة جميعهم مع وجود من ليس منهم ومن ليس قصده قصدهم، مع علمه سبحانه بما في القلوب فنحن الذين لا نعلم الغيب من باب أولى أن لا نؤمر بالتفريق.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وقد ثبت في الصحيحين عن النبي أنَّه قال:"يغزو هذا البيت جيش من الناس فبينما هم ببيداء من الأرض إذ خسف بهم فقيل يا رسول الله وفيهم المكره فقال يبعثون على نياتهم"فإذا كان العذاب الذي ينزله الله بالجيش الذي يغزو المسلمين ينزله بالمكره وغير المكره فكيف بالعذاب الذي يعذبهم الله به أو بأيدي المؤمنين؟! كما قال تعالى: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت