روى بن أبي شيبة 7/ 366 قال لما كان يوم أحد وانصرف المشركون فرأى المسلمون بإخوانهم مثلة سيئة جعلوا يقطعون آذانهم وآنافهم ويشقون بطونهم فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن أنالنا الله منهم لنفعلن فأنزل الله (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (بل نصبر) .
فالمثلة منهي عنها ومحرمة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم كما جاء عند البخاري عن عبد الله ين يزيد رضي الله عنه (أنه نهى عن النهبى والمثلة) قال ابن حجر في الفتح 5/ 120"المثلة: تشويه خلقة القتيل، كجدع أطرافه، وجب مذاكره ونحو ذلك".
قال ابن مفلح في الفروع 6/ 218 نقلًا عن شيخ الإسلام ابن تيمية"إن المثلة حق لهم، فلهم فعلها للاستيفاء وأخذ الثأر، ولهم تركها، والصبر أفضل، وهذا حيث لا يكون في التمثيل بهم زيادة في الجهاد، ولا يكون نكالا لهم عن نظيرها، فأما إذا كان في التمثيل الشائع دعاءً لهم إلى الإيمان أو زجرًا لهم عن العدوان، فإنه هنا من باب إقامة الحدود والجهاد المشروع"وانظر الاختيارات لشيخ الإسلام 5/ 521.
وقال ابن القيم في حاشيته 12/ 180"وقد أباح الله تعالى للمسلمين أن يمثلوا بالكفار إذا مثلوا بهم وإن كانت المثلة منهيا عنها فقال تعالى (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) وهذا دليل على جدع الأنف وقطع الأذن وبقر البطن ونحو ذلك هي عقوبة بالمثل ليست بعدوان والمثل هو العدل، وأما كون المثلة منهيا عنها فلما"
روى أحمد في مسنده من حديث سمرة بن جندب وعمران بن حصين قال ما خطبنا رسول الله خطبة (إلا أمرنا بالصدقة ونهانا عن المثلة) ، فإن قيل فلو لم يمت إذا فُعل به نظير ما فَعل فأنتم تقتلونه وذلك زيادة على ما فعل فأين المماثلة؟، قيل هذا ينتقض بالقتل بالسيف، فإنه لو ضربه في العنق ولم يوجبه كان لنا أن نضربه ثانية وثالثة حتى يوجبه اتفاقا، وإن كان الأول إذا ضربه حصول واحدة واعتبار المماثلة له طريقان إحداهما اعتبار الشيء بنظيره ومثله وهو قياس العلة الذي يلحق فيه الشيء بنظيره، والثاني قياس الدلالة الذي يكون الجمع فيه بين الأصل والفرع بدليل العلة ولازمها فإن انضاف إلى واحد من هذين عموم لفظي كان من أقوى الأدلة لاجتماع العمومين اللفظي والمعنوي وتضافر الدليلين السمعي والاعتباري فيكون موجب الكتاب والميزان والقصاص في مسألتنا هو من هذا الباب كما تقدم تقريره وهذا واضح لا خفاء به ولله الحمد والمنة".اهـ"
وكلام العلامة ابن القيم المتقدم رد على من قال: وكيف تقتلون نساء وصبيان المقاتلة إذا فعلوا هذا بنساء وصبيان المسلمين؟ وكيف تأخذون ثأركم من غير الفاعل؟ والله يقول (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) .
وهذا الإيراد باطل وينتقض حتى لو قلناه على المقاتلة فكيف يقاتل النبي صلى الله عليه وسلم مقاتلة قريش والذي نقض العهد هم بني بكر بن وائل أو قادة قريش.