وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله: فلا يتم لأهل التوحيد توحيدهم إلا باعتزال أهل الشرك وعداوتهم وتكفيرهم.
وقال أيضا: ولولا التغليظ لما جرى على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما جرى من الأذى العظيم كما هو مذكور في السير مفصلا، فإنه بادأهم بسب دينهم وعيب آلهتهم. اهـ [1]
وقال أيضا رحمه الله: أجمع العلماء سلفا وخلفا من الصحابة والتابعين والأئمة وجميع أهل السنة أن المرء لا يكون مسلما إلا بالتجرد من الشرك الأكبر والبراءة منه. اهـ [2]
فهذه نصوص أقوال العلماء ناطقة وشاهدة على بطلان دعوى من قال ما عليَّ من تكفير المشركين ولا فائدة من تكفير الطواغيت وإظهار ذلك، وخطورة هذا القول، ورِقّة دين من قاله كائنا من كان، ومنها يظهر لك مسألة هامة نشير إليها هنا إشارة، وهي أن الطواغيت يقدمون من يقولون هذه الأقوال وينصبونهم في أعلى مناصب الدول ويسلمونهم دور الإفتاء والإرشاد ووزارات الأوقاف لأنهم يعلمون يقينا أن لا ضرر مهم على عروشهم وكراسيهم ومناهجهم وقوانينهم وهذا واضح مشاهد، بل هؤلاء - المشايخ - هم حائط الصد أمام هجمات المجاهدين، فإنهم يسارعون بعد كل عملية جهادية بالإفتاء أن من قام بها خارجي ضال محارب لله ورسوله وللمؤمنين سفاك لدماء الأبرياء والمستأمنين مستحق للعقوبة في الدنيا ويوم الدين، فتنبه أيها الموحد لتعلم من هم أئمتك ومن قطاع الطريق إلى الله، لتكن على بينة وبصيرة من دينك ولا تغتر بكثرة الهالكين.
ويظهر مما تقدم كذلك أن قوله تعالى (إنما عليك البلاغ) لا يعني ترك البراءة من الكفار ومعبوداتهم وإنما يعني أنك لا تستطيع أن تهدي القلوب - هداية التوفيق - وإنما الذي يهديها هو ربها وخالقها، فما عليك إلا أن تبلغ ما أنزل إليك - هداية الدلالة والإرشاد - والله تعالى يتولى هداية القلوب، هذا هو قول المفسرين والعلماء ولذلك فقد قال الله تعالى (إنك لا تهدي من أحببت لكن الله يهدي من يشاء) [3] ، ولا يجوز أن يفهم من قوله تعالى (وما على الرسول إلا البلاغ) أي ليس عليك شيئًا مطلقًا غير البلاغ، فليس عليك تكفير المشركين أو البراءة منهم ومن أديانهم الباطلة وليس عليك معاداتهم، ولازم هذا أن يقال أيضا: وليس عليك الجهاد ولا عليك إقامة الحدود والشرائع، ولا عليك أمر بالمعروف ولا نهي عن المنكر، فإن قالوا هذا غير صحيح لأن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم وأمرنا بهذه الواجبات، فهذا هو عين جوابنا على قولهم وبالله تعالى التوفيق والسداد.
ثم إنا نقول لهؤلاء: ألم يحكم الرسل حال استضعافهم على أقوامهم المكذبين بالكفر، بل وأعلنوا لهم ذلك؟ أفلم يكن لهم في هذا فائدة وفعلوا ذلك عبثا وسدى؟ وما كانوا يستطيعون قتلهم ولا جهادهم، أَوَكَان الأنبياء في إظهارهم هذا التكفير مثيري فتنة بلا فائدة؟
(1) الدرر السنية ج11/ 434.
(2) الدرر السنية ج11/ 545.
(3) سورة القصص، الآية: 56.