فهرس الكتاب
الواقدي أن المتكلم بهذا كان معتب بن قشير وهو معدود من المنافقين. فهذا الكلام مما يوجب القتل بالاتفاق لأنه جعل النبي صلى الله عليه وسلم ظالمًا مرائيًا وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم بأن هذا من أذى المرسلين ثم اقتدى في العفو عن ذلك بموسى عليه السلام ولم يستتب لأن القول لم يثبت فإنه لم يراجع القائل ولا تكلم في ذلك بشئ ... ومن ذلك قول الأنصاري الذي حاكم الزبير في شراج الحرة لما قال: له صلى الله عليه وسلم (( اسق يا زبير ثم سرح إلى جارك ) )فقال: أن كان ابن عمتك )) . وحديث الرجل الذي قضى عليه فقال: لا أرضى ثم ذهب إلى أبي بكر ثم إلى عمر فقتله. فهذا الباب كله مما يوجب القتل ويكون به الرجل كافرًا منافقًا حلال الدم كان النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء يعفون ويصفحون عمن قاله امتثالًا لقوله تعالى: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) ... فالكلام الذي يؤذيهم يكفر به الرجل فيصير به محاربًا إن كان ذا عهد ومرتدًا أو منافقًا إن كان ممن يظهر الإسلام ... ومما يوضح ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعفو عن المنافقين الذين لا يشك في نفاقهم حتى قال: (( لو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له لزدت ) )حتى نهاه الله عن الصلاة عليهم والاستغفار لهم وأمره بالإغلاظ عليهم فكثير مما يحتمله من المنافقين من الكلام وما يعاملهم من الصفح والعفو والاستغفار كان قبل نزول (براءة) لما قيل له: (ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم) لاحتياجه إذ ذاك إلى استعطافهم , وخشية نفور العرب عنه إذا قتل أحدا ً منهم وقد صرح رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال ابن أبيّ:? (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل) ولما قال ذو الخويصر: اعدل فإنك لم تعدل وعند غير هذه القصة أنما لم يقتلهم لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه فإن الناس ينظرون إلى ظاهر الأمر فيرون واحدا ً من أصحابه قد قتل فيظن الظان أنه يقتل بعض أصحابه على غرض أو حقد أو نحو ذلك , فينفر الناس عن الدخول في الإسلام وإذا كان من شريعته أن يتألف الناس على الإسلام بالأموال العظيمة , ليقوم دين الله وتعلو كلمته , فلأن يتألفهم بالعفو أولى وأحرى فلما أنزل الله (براءة) ونهاه عن الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم , وأمره أن يجاهد الكفار والمنافقين ويغلظ عليهم , نسخ جميع ما كان المنافقون يعاملون به من العفو , كما كان الكفار يعاملون به من الكف عمن سالم , ولم يبق إلا إقامة الحدود , وإعلاء كلمة الله في حق كل إنسان". [الصارم: 250 - 259] ."
وأما تشبيهه لقول أمهات المؤمنين بمناشدة النبي صلى الله عليه وسلم العدل في المحبة بأقوال القائلين اعدل يا محمد وأن كان ابن عمتك كما في قوله: ["أرجو أن تفرق بين هذه الألفاظ وقول البدري: أن كان ابن عمتك وقول الرجل: اعدل يا محمد , ومناشدة أزواجه إياه العدل إذ هذه لا تكون سبا ً إلا من باب اللازم ولازم المذهب ليس لازما ً لذا لم يكفرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم"] .
فهذه زلة عظيمة وورطة كبيرة وسوء أدب مع أمهات المؤمنين وسوء ظنّ بهن إذ كيف يتصور أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يطعن في حكمه ويرمينه بما لا يليق بمقامه الشريف. وكل ذلك نصرة للمذهب وتقوية الحجة بما لا يزيدها إلا وهنا ً ولا يزيد قوله إلا شناعة ًوقبحا ً ومثل هذا القائل لا يعذر لاطلاعه على القصة ووقوفه على الخبر ولنذكر