المسألة الثانية: الأحكام يعمل فيها بالظواهر والله يتولى السرائر
والقاعدة المعروفة أن الأحكام يعمل فيها بالظواهر والله يتولى السرائر والظاهر فرعٌ للباطن ودليل ٌ عليه ولم يكلفنا الله بالتنقيب عن الناس ومعرفة ما تنطوي عليه الضمائر إذ لا سبيل عليه ألبته فلا تعلق الأحكام الشرعية في أمور غير مقدور عليها قال تعالى: ? يأيها الذين أمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ... , أمر بالتبين لأن الأصل هو الحكم بالظاهر وقال النبي للعباس لما أسر يوم بدر: [أما ظاهرك فعلينا وأما سريرتك فإلى الله .. ] وقال ابن القيم:"وأحكام الدنيا فهي جارية على ظاهر الأمر". [طريق الهجرتين: الطبقة السابعة عشرة]
وقال الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي في رده على قول الجزائري: (يحاسب عباده على ما يعتقدونه على نياتهم، تصديقًا على ما في الحديث:» إنما الأعمال بالنيات ... .إلخ «قال رحمه الله - عبد الرحمن بن محمد:"لا يمنع القول بشرك من جعل مع الله إلهًا آخر، فإن الأخذ في الدنيا بالظواهر، وما دل عليه اللفظ صريحًا، وهذه قاعدة معروفة أن الأحكام يعمل فيها بالظواهر والله يتولى السرائر ونص العقلاء: على أن من الحمق المتناهي تكذيب العين، وتصديق الظن، فكيف نقبل منك هذه الدعوى، وقد قال عمر رضي الله عنه:"إن الوحي قد انقطع وإنما نؤاخذكم الآن بما ظهر لنا، فمن أظهر لنا خيرًا أمناه وقربناه، وليس لنا من سريرته شيء والله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا لم نؤمنه ولم نصدقه وإن قال إن سريرته حسنة) , وعلى هذا إجماع المسلمين". [السيف المسلول على عابد الرسول: 136] "
وقال الشيخ عبد الله أبا بطين رحمه الله:"وقد ذكر العلماء من أهل كل مذهب أشياء كثيرة لا يمكن حصرها من الأقوال والأفعال والاعتقادات أنه يكفر صاحبها، ولم يقيدوا ذلك بالمعاند. فالمدعي أن مرتكب الكفر متأولًا أو مجتهدًا أو مخطئًا أو مقلدًا أو جاهلا معذور مخالف للكتاب والسنة والإجماع بلا شك مع أنه لا بد أن ينقض أصله فلو طرد أصله كفر بلا ريب كما لو توقف في تكفير من شك في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم". [الانتصار] .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ً:"الإيمان والنفاق أصله في القلب، وإنما الذي يظهر من القول والفعل فرعٌ له ودليلٌ عليه؛ فإذا ظهر من الرجل شئ من ذلك ترتب الحكم عليه فلما أخبر سبحانه أن الذين يلمزون النبي صلى الله عليه وسلم والذين يؤذونه من المنافقين ثبت أن ذلك دليلٌ على النفاق وفرعٌ له، ومعلوم أنه إذا حصل فرع الشيء ودليله حصل أصله المدلول عليه، فثبت أنه حيثما وجد ذلك كان صاحبه منافقًا" [الصارم: 66]
وقال أيضا ً:"أن الإيمان قول وعمل؛ فمن اعتقد الوحدانية في الألوهية لله سبحانه وتعالى، والرسالة لعبده ورسوله، ثم لم يتبع هذا الاعتقاد موجبة من الإجلال والإكرام- الذي هو حال في القلب يظهر أثره على الجوارح، بل قارنه الاستخفاف والتسفيه والازدراء بالقول أو بالفعل- كان وجود ذلك الاعتقاد كعدمه، وكان ذلك موجبًا لفساد ذلك الاعتقاد، ومزيل لما فيه من المنفعة والصلاح ... هذا فيما بينه وبين الله، وأما في الظاهر فتجري"