المسألة الخامسة: الأفعال والألفاظ الصريحة يجري حكمها وما تقتضيه
وإن زعم المتكلم أو الفاعل قصد ما يخالف ظاهرها وبيان خطأ من قال لا يكفر إلا من قصد الكفر
وبعد هذا نسوق الأدلة على أن الإنسان يكفر وإن لم يقصد الكفر إذا صدر منه كفر مخرج من الملة قال تعالى: (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالًا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا) .
قال ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسيره لهذه الآية: (والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله عز وجل عنى بقوله:) هل ننبئكم بالأخسرين أعمالًا (كل عامل عملًا يحسبه فيه مصيبًا وأنه لله بفعله ذلك مطيع مرض، وهو بفعله ذلك لله مسخط وعن طريق أهل الإيمان له جائر كالرهابنة والشمامسة وأمثالهم من أهل الاجتهاد في ضلالتهم وهم مع ذلك من فعلهم واجتهادهم بالله كفره من أهل أيّ دين كانوا - إلى أن قال - وقوله:(الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا) يقول هم الذين لم يكن عملهم الذي عملوه في حياتهم الدنيا على هدى واستقامة، بل كان على جور وضلالة وذلك أنهم عملوا بغير ما أمرهم به، بل على كفر منهم به وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا وهم يظنون أنهم بفعلهم ذلك لله مطيعون، وفي ما ندب عباده إليه مجتهدون وهذا من أدل الدلائل على خطأ قول من زعم أنه لا يكفر بالله أحد إلا من حيث يقصد إلى الكفر بعد العلم بوحدانيته وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآية أن سعيهم الذين سعوا في الدنيا ذهب ضلالًا وقت كانوا يحسبون أنهم محسنون في صنعهم ذلك وأخبر عنهم أنهم هم الذين كفروا بآيات ربهم ولو أن القول ما قال الذين زعموا أنه لا يكفر بالله أحد إلا من حيث يعلم، لوجب أن هؤلاء القوم في عملهم الذي أخبر الله عنهم أنهم كانوا يحسبون أنهم يحسنون صنعه، كانوا مثابين مأجورين عليها، ولكن القول بخلاف ما قالوا أنهم بالله كفرة وأن أعمالهم حابطة وعنى بقوله: أنهم يحسنون صنعًا. أي عملًا"."
وقال شيخ الإسلام رحمه الله:"الدليل السادس: قوله سبحانه: (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون) , ووجه الدلالة أن الله سبحانه نهاهم عن رفع أصواتهم فوق صوته، وعن الجهر له كجهر بعضهم لبعض، لأن هذا الرفع والجهر قد يفضي إلى حبوط العمل وصاحبه لا يشعر، فإنه علل نهيهم عن الجهر وتركهم له بطلب سلامة العمل عن الحبوط وبين أن فيه من المفسدة جواز حبوط العمل وانعقاد سبب ذلك، وما قد يفضي إلى حبوط العمل يجب تركه غاية الوجوب، والعمل يحبط بالكفر قال سبحانه: (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم) الآية - وذكر آيات إلى أن قال:- وكما أن رفع الصوت قد يشتمل على أذى له، واستخفاف به وإن لم يقصد الرافع ذلك، فإذا كان الأذى والاستخفاف الذي يحصل في سوء الأدب من غير قصد صاحبه يكون كفرًا، فالأذى والاستخفاف المقصود والُمتعمّد كفٌر بطريقة الأولى". [الصارم: 87] .