أحدهما: أن يفعل ذلك لكونه في سلطانهم مع ضربهم وتقييدهم له، ويتهددونه بالقتل فيقولون له: إما أن توافقنا وتظهر الانقياد لنا وإلا قتلناك، فإنه والحالة هذه يجوز له موافقتهم في الظاهر مع كون قلبه مطمئنًا كما جرى لعمار رضي الله عنه حين أنزل الله تعالى: (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) . , وكما قال تعالى: (إلا أن تتقوا منهم تقاة) . فالآيتان دلّتا على الحكم كما نبه على ذلك ابن كثير في تفسير آية آل عمران.
الوجه الثاني: أن يوافقهم في الظاهر مع مخالفته لهم في الباطن، وهو ليس في سلطانهم وإنما حمله على ذلك إما طمع في رئاسة أو مال أو مشحة في وطن أو عيال أو خوف مما يحدث في المال، فإنه في هذه الحالة يكون مرتدًا لا تنفعه كراهته لهم في الباطن وهو ممن قال الله فيهم:) ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين (. فأخبر أنه لم يحملهم على الكفر الجهل أو بغضهم للدين ولا محبة الباطل وإنما هو أن لهم حظًا من حظوظ الدنيا فآثروه على الدين، هذا معنى كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله [سبيل النجاة والفكاك] .
وأيضا ً ما ذكره العلامة سليمان بن سحمان قال رحمه الله:"هذه كلمات في بيان الطاغوت ووجوب اجتنابه - وذكر المقام الثاني فقال: أن يقال إذا عرفت أن التحاكم إلى الطاغوت كفر، فقد ذكر الله في كتابه أن الكفر أكبر من القتل قال: (والفتنة أكبر من القتل) , وقال: (والفتنة أشدّ من القتل) والفتنة: هي الكفر، فلو اقتتلت البادية والحاضرة حتى يذهبوا لكان أهون من أن ينصبوا في الأرض طاغوتًا يحكم بخلاف شريعة الإسلام، التي بعث الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم."
المقام الثالث: أن تقول: إذا كان هذا التحاكم كفرًا، والنزاع إنما يكون لأجل الدنيا فكيف يجوز لك أن تكفر لأجل ذلك؟ فإنه لا يؤمن الإنسان حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وحتى يكون الرسول أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين. فلو ذهبت دنياك كلها لما جاز لك المحاكمة إلى الطاغوت لأجلها ولو اضطرك مضطر وخيرك بين أن تتحاكم إلى الطاغوت، أو تبذل دنياك لوجب عليك البذل، ولم يجز لك المحاكمة إلى الطاغوت. والله أعلم". [الدرر السنية: 10/ 502] ."
ومن المعلوم أن الردة لا تكون إلا بسبب رغبة أو رهبة أو نحو ذلك من الأغراض وجماع ذلك شيئينٍ هما الشهوة والشبهة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الانتقال عن الدين لا يقع إلا عن شبهة قادحة في القلب أو شهوة قامعة للعقل". [الصارم: 347] ."
وقال أيضا ًرحمه الله تعالى:"من تعمد الكذب عليه ـ أي الرسول صلى الله عليه وسلم ـ فإنه إنما يقصد تحصيل غرض ٍله إن لم يقصد الاستهزاء به , والأغراض في الغالب إما مالٌ أو شرف كما أن المسيء إنما يقصد إذا لم يقصد مجرد الإضلال"