الجهاد هي من تأليف المجاهدين، ثم إن أكثر عمليات المجاهدين التي يقومون بها في كل مكان هي محاولة لصد العدو من الزحف على باقي ديار المسلمين، فهي جهد المقل، ولو وضعت الأمة يدها في يد المجاهدين لأمكن كسر شوكة العدو، ولكن لما خُذل المجاهدون من الأمة المتخاذلة أصبحت ضرباتهم تُستنكر ويلمزون بها، وما درت الأمة أن هذه الضربات هي من أجلها وفي سبيل رفعتها، وهي أيضا انتقام لإخواننا المستضعفين في الأرض ومحاولة تخفيف الضغط عليهم.
وقل لي بربك عن غزوات النبي صلى الله عليه وسلم هل هي ردود أفعال أم لا؟ فقد غزى صلى الله عليه وسلم بني لحيان وعضل والقارة لما غدروا بالقراء من أصحابة وقتلوا منهم سبعين رجلا، ألم يكن فعله صلى الله عليه وسلم انتقامًا لأصحابه وتأديبًا لهذه القبائل، ألم يكن قتله لكعب بن الأشرف، ورافع بن أبي الحقيق لأنهم حرضوا على المسلمين وتشبيب ابن الأشرف بالصحابيات الفاضلات، فقد أرسل لهم من يقتلهم في بيوتهم وحصونهم دفاعًا عن الإسلام وأعراض المسلمات، فهل التغزل والتشبيب ووصف المسلمات، أشد في نظرك من الاغتصاب والقتل واستباحة ديار المسلمين! وقصة قتل النبي صلى الله عليه وسلم للعرنيين الذي اخذوا لقاح النبي صلى الله عليه وسلم وقتلوا الراعي وسملوا عينيه هي رد فعل منه صلى الله عليه وسلم للدفاع عن أصحابه بل إن أغلب الحدود الشرعية هي ردود أفعال، وعلى المنكر لهذه الأفعال أن يأتي بالدليل على حرمتها، لا أن ينتقدها بدون علم، فأفعال المجاهدين من قبيل الانتقام للمسلمات والذبِّ عن بيضة الإسلام بما يستطيعون، وإن أخطأنا في شيء فهو خطأ مغفور بإذن الله لأننا عملنا الجهد والأمر لله من قبل ومن بعد ..
أما قولك: أننا هربنا من واقع الحياة ولم ننجح في حياتنا العملية، فنعم نحن هربنا من حياة الذل والخنوع إلى حياة العز والرفعة والتعالي عن رغبات النفس، وهل هذه الدنيا التي تدّعي أنّا هربنا منها هي دار قرار أم دار ارتحال؟ وإذا كان الله لم يرتضيها لخليله وصفيه من خلقه، فهل نرضاها نحن لأنفسنا؟! وهي سجن المؤمن وجنة الكافر، وقد أمرنا حبيبنا صلى الله عليه وسلم أن نُقلل من الدنيا وأن نكون فيها كعابر السبيل وأي فرح وسرور بهذه الدنيا والذل مضروب على رقابنا والعدو يصول ويجول في ديار المسلمين ويسومنا سوء العذاب كأننا عبيد له، لا يرفع سوطه عنا، وهل طموحات المؤمن هي الحصول على مُتع الدنيا أم رغبة في الآخرة ونعيمها وقد قال الله تعالى: (( فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما ) )..
وعندما دل الله المؤمنين على التجارة لم يدلهم على تجارات الدنيا بل دلهم على طريق الجهاد الذي فيه التجارة مع رب العالمين (( يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) )فهل الذي يبحث عن الطريق الذي دل الله عليه عباده المؤمنين يُعتبر لم ينجح في حياته وهاربًا من الحياة! هل الهارب من الله إليه من الفاشلين في حياتهم العملية؟! وقد سمى الله عز وجل الذين قدموا مُتع الدنيا على الجهاد من الفاسقين وعدّ هذه المُتع وإن كانت من المباحات من المقعدات والمثبطات عن الجهاد قال تعالى: (( قل إن كان أباؤكم وأبنائكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال