المفتى بالإجماع بل الفتيا أيسر فإن الحاكم يلزم والمفتى لا يلزم فما سوغ الأئمة الأربعة للحاكم أن يحكم به فهم يسوغون للمفتى أن يفتى به بطريق الأولى والأحرى ومن حكم بمنع الإفتاء بذلك فقد خالف الأئمة الأربعة وسائر أئمة المسلمين فما قالوه هو المخالف للأربعة وسائر أئمة المسلمين فهو باطل بالإجماع.
10 ـ الوجه التاسع والثلاثون أنه لو قدر أن العالم الكثير الفتاوى أفتى في عدة مسائل بخلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه وخلاف ما عليه الخلفاء الراشدون لم يجز منعه من الفتيا مطلقا بل يبين له خطؤه فيما خالف فيه، فما زال في كل عصر من أعصار الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء المسلمين من هو كذلك فابن عباس رضي الله عنهما كان يقول في المتعة والصرف بخلاف السنة الصحيحة وقد أنكر عليه الصحابة ذلك ولم يمنعوه من الفتيا مطلقا بل بينوا له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المخالفة لقوله فعلي رضي الله عنه روى له عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حرم المتعة وأبو سعيد الخدري رضي الله عنه وغيره رووا له تحريمه لربا الفضل ولم يردوا فتياه لمجرد قولهم وحكمهم ويمنعوه من الفتيا مطلقا ومثل هذا كثير فالمنع العام حكم بغير ما أنزل الله وهو باطل باتفاق المسلمين لو كان ما نازعوه فيه مخالفا للسنة فكيف إذا كانت معه بل ومعه إجماع علماء المسلمين فيما أنكروه من مسائل الزيارة وهذا مما يبين أن هذا الحكم من أبطل حكم في الإسلام ومن أعظم التغيير لدين الإسلام بإجماع المسلمين.
فصل
الرسالة الثانية:
ذكر في آخر الفتاوى الكبرى المجلد السادس في كتاب الرد على الطوائف الملحدة والزنادقة والجهمية والمعتزلة والرافضة ذكر أنه في سنة ست وعشرين وسبعمائة، اجتمع الملأ عليه من الأمراء والقضاة ومن معهم، وبعد مراسلات له وهو في السجن وبعد سنوات طلبوا منه أن يعتقد أشياء من كلام أهل البدع، وطلبوا منه أيضا أن لا يتعرض لأحاديث الصفات لله تعالى وآياتها عند العوام، ولا يكتب بها إلى البلاد، ولا في الفتاوى المتعلقة بها.
(والشاهد منها لواقعنا المعاصر أنهم يطلبون اليوم عدم التعرض لمسألة الولاء والبراء وعدم نشر ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام التي من أعظمها الولاء والبراء والكفر بالطاغوت والبراءة منه ومن أهله وتكفيرهم وعداوتهم. وعدم التعرض لأعداء الله من الصليبيين واليهود وملل الكفر، وعدم التعرض لمسائل الجهاد والإفتاء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومقاومة المبتدعة والمنافقين والمرتدين والحكام المبدلين والمعاهدات والنصرة ... الخ وأن لا يتعرض لذلك إلا علماء معينين ويمنع بقية علماء الأمة من نشر ذلك مع عدم قيام هؤلاء العلماء المعينين بالبيان، ومع حاجة الأمة الماسة لذلك البيان، فما أشبه اليوم بالبارحة.
فرد عليهم من وجوه كثيرة واعتبره من حكم الجاهلية ومن الحكم بغير ما أنزل الله وننقل منها ما يخدم موضوعنا فقط.