أحدهما: أن دعاء القنوت مشروع عند السبب الذي يقتضيه، وقال ابن القيم في الزاد في هديه صلى الله عليه وسلم في القنوت: إن المروي عن الصحابة في قنوت النوازل قنوت الصديق رضي الله عنه في محاربة مسيلمة وعند محاربة أهل الكتاب، (راجع كتاب إعلاء السنن 6/ 83) أما قنوت عمر فقد ذكره ابن تيميه في الفتاوى 23/ 108 وابن القيم في الزاد انه قنت لما حارب النصارى. وقال ابن تيميه في الفتاوى 23/ 108 وكان عمر إذا أبطأ عليه خبر جيوش المسلمين قنت، ونقل الكاندهلوي في أوجز المسالك 3/ 176 عن كتاب الآثار لمحمد بن حسن قال: كان عمر رضي الله عنه إذا حارب قنت وإذا لم يحارب لم يقنت رواه الطحاوي وإسناده حسن.
وكذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه قنت لما حارب من حارب من الخوارج، قاله ابن تيميه في الفتاوى 23/ 103، وقنت أيضا لما حارب أهلَ الشام في صفين، قال البيهقي في كتابه معرفة السنن في فصل القنوت أن عليا قنت في حرب يدعو فأخذ أهل الكوفة ذلك عنه.
فهذا هدي الخلفاء الراشدين والصحابة المرضيين، بل لو قال قائل انه لا يعرف لهم مخالف لكان هو عين الصواب، وهو مذهب الناس في زمن علي بن أبي طالب وعليه أهل الكوفة تبعا له، و أهل البصرة تبعا لأبن عباس، وأهل الشام تبعا لمعاوية فقد روى محمد بن الحسن في الآثار عن إبراهيم النخعي بسند صحيح، قال: إن أهل الكوفة إنما اخذوا القنوت من علي حينما حارب وأهل الشام اخذوا القنوت عن معاوية، ذكره صاحب إعلاء السنن 6/ 88،وهو فعل الأمراء زمن انس رضي الله عنه كما ذكر ذلك ابن حزم في المحلى 4/ 141 رقم 459 وقال: فإن قيل فقد روي عن انس انه سئل عن القنوت: أقبل الركوع أم بعده؟ فقال: قبل الركوع، قال ابن حزم: إنما اخبر بذلك انس رضي الله عنه عن أمراء عصره اهـ والشاهد أن فعل القنوت للنوازل من فعل أمراء عصر انس رضي الله عنه وليس خاصا بالإمام الأعظم.
وقبل ذلك هو فعل الناس زمن عمر حيث قنت عدة مرات، وهو فعل الناس زمن أبي بكر حيث فعله فيهم، فأي إجماع أعظم من هذا وجاء في الاستذكار 5/ 170 أن أبا عبدالرحمن السلمي قنت في الفجر يدعو على قطري بن الفجاءة الخارجي (وأبو عبدالرحمن هذا مقرئ الكوفة من أولاد الصحابة اخذ القرآن عن عثمان وعلي رضي الله عنهما، ورواه ابن أبي شيبة 2/ 109 رقم 7047.
وقنت من التابعين أيضا نفر كثير ليسوا بأئمة ومساجدهم ليست بمسجد الإمام الأعظم، وقال ابن عبدالبر في الاستذكار 5/ 172: (ومِن فعل الصحابة وجلة التابعين بالمدينة في لعن الكفرة في القنوت أخذ العلماء لعن الكفرة في الخطبة الثانية من الخطبة والدعاء عليهم) .
وممن نقل الإجماع الكاندهلوي في أوجز المسالك في شرح موطأ مالك 3/ 177 قال النيموي: تدل الأخبار على أن النبي صلى الله عليه وسلم واصحابه لم يقنتوا في الفجر إلا في النوازل، وقال اللكنوي في كتابه التعليق الممجد 1/ 636 ولا نزاع بين الأمة في مشروعية القنوت ولا في مشروعيته للنازلة إنما النزاع في بقاء مشروعيته لغير النازلة.