ولكن هذا الأخير اعتذر عن عدم الحوار من داخل السجن لتعذر الإحاطة بالمعطيات الضرورية واستحالة الاتصال ببقية أعضاء قيادة الحركة في الداخل والخارج. لذلك قرر الرئيس ابن علي إطلاق سراح السيد راشد الغنوشي ويتوقع أن تنطلق في القريب العاجل جولة من المباحثات بينه وبين ممثلين للرئيس شخصيا).
وكما تري يا أخي فهي نفس القصة حوار فاعتراف بالشرعية، وإنكار للجهاد - العنف - وتمييع أهم قضايا الدين والعقيدة في نفوس المسلمين، ليطول بالمسلمين عصر التيه والذل تحت هيمنة النظم الحاكمة الكافرة، تلك النظم التي أفلحت في احتواء كثير من القيادات الإسلامية.
يقول الأستاذ محمود شاكر صاحب كتاب"التاريخ الإسلامي": (فقد تمكن الأعداء في الآونة الأخيرة وفي أشد الأوقات حاجة إلي المنظمات الإسلامية وإلي القيادات الإسلامية الرائدة التي تمثل الإسلام وتحمله بصفاء تمكنوا من احتوائها والسير بها في طريقهم المنحرف، وأعلنوا ذلك كي تسقط القيادات، وتسقط المنظمات وبالتالي تسقط المفاهيم التي يحملونها والتي لا تزال معروفة نظريا لقد احتوي أكثر زعماء منظمة إسلامية في المنطقة العربية، بل بقوا في جعجعة دائمة يظهرون العمل للإسلام زيادة في التمويه علي شباب الإسلام والعاملين له، حتى أن أحدهم قد زعم أن الحكم الإلحادي في بلد يعمل للإسلام، ويضم أبناءه، ويحمي حماه وذلك بسبب ارتباطه به، وعمل عدد من الزعماء المنتفعين جبهة من ذلك الحكم الملحد، فأعيد الاعتبار لمن لفظهم الشعب، وأفتي المنتفعون بشرعية العمل مع الملحدين أو ادعوا أن بعض العلماء قد أفتي بذلك زورا وبهتانا. وأعلن بعض المغفلين الذين يبدو عليهم الصلاح عدم صحة مثل هذا العمل فلما تم إصدار نشرة بصحة ذلك شرعا مقتبسا بعض النصوص الشرعية، واستشهد بها في غير مكانها، وإيهاما للشباب ودجلا، وهذا التصرف سواء أكان من الأعداء أم من الأدعياء ليستمر الخداع، ثم تهوي المنظمات والدعاة معا، ويصفو الجو للأعداء. وليس الاحتواء غاية ولكنه وسيلة لأنه ستظهر منظمات جديدة وقيادات جديدة وستستمر الفكرة في طريقها ولكن الغاية تهديم الأفكار وفضح حامليها مع استمرارية قيادتهم والمناداة بفكرتهم رغم احتوائهم وانقيادهم لغيرهم) .
هذه يا أخي هي بعض آثار الحوار والمفاوضات مع الطواغيت، صفقة متبادلة تحصل بعض القيادات الإسلامية علي حريتها بالخروج من السجون مع السماح لها بشيء من النشاط في مقابل بيع قضية الإسلام للطواغيت إذ تقوم هذه القيادات الإسلامية المفتونة بلبس الحق بالباطل وتقول للناس إن هذه الحكومات مسلمة وإن الديمقراطية هي الشرعية وهي وسيلة التغيير المشروعة الوحيدة وأن الإسلام ينكر العنف - أي الجهاد - وكان هذا ضلالا مبينا.
وعن تمييع حقائق الدين يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله: (وهذا التمييع هو أخطر ما يعانيه هذا الدين في هذه الحقبة من التاريخ، وهو أفتك الأسلحة التي يحاربه بها أعداؤه، الذين يحرصون علي تثبيت لافتة"الإسلام"علي أوضاع، وعلي أشخاص، يقرر الله سبحانه في أمثالهم أنهم مشركون لا يدينون دين الحق، وأنهم يتخذون أربابا من دون الله .. وإذا كان أعداء هذا الدين يحرصون علي تثبيت لافتة الإسلام علي تلك الأوضاع وهؤلاء