والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن مَلِكِهِمْ جنكيز خان الذي وضع لهم الياسق وهو عبارةٌ عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها وفيه كثير من الأحكام أخذه من مجرد نظره وهواه فصارت في بنيه شرعًا متبعًا يقدمونه على الحكم فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير. ا. هـ [1]
وقال أحمد بن علي الفزاري القلقشندي: ثم الذي كان عليه جنكيز خان في التدين وجرى عليه أعقابه بعده الجري على منهاج ياسقه التي قررها، وهي قوانين ضمنها من عقله وقررها من ذهنه، رتب فيها أحكامًا وحدد فيها حدودًا ربما وافق القليل منها الشريعة المحمدية وأكثره مخالف لذلك سماها الياسة الكبرى ... .ا. هـ [2] .
فمن كلام ابن كثير وشيخه أبي العباس ابن تيمية وغيرهما يتضح أن الإجماع المحكيَّ فيمن وقع في التحليل والتحريم أي تجويز حكم غير حكم الله إذ جعلوا الياسق كدين الإسلام موصلًا إلى الله ومسألتنا المطروحة فيمن حكم بغير ما أنزل الله مع الاعتراف بالعصيان لا مع القول بأنه جائز لا محظور فيه أو بأنه طريق للرضوان.
ثم تنبه - أيها القارئ - إلى قول ابن كثير: فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدمها عليه ا. هـ هؤلاء جمعوا بين التحاكم إلى الياسق وتقديمه على شرع الله، فليس ذنبهم مجرد التحكيم الذي هو عمل بل قارنه الاعتقاد وهو التقديم.
قال المكفِّر: قد تذكرت دليلًا من كتاب الله وهو قوله تعالى {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} .
قال المفسِّق: إضافةُ الشيء إلى الجاهلية أو وصفه به لا يدل على الكفر فمن ثم لا يكون كفرًا إلا بدليلٍ خارجي دالٍ على الكفر ويوضح ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلَّم لأبي ذر"إنك امرؤٌ فيك جاهلية"متفق عليه وقال في حديث أبي مالك الأشعري عند مسلم"أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن ..."
قال أبو عبيد القاسم بن سلام"ألا تسمع قوله {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} تأويله عند أهل التفسير أن من حكم بغير ما أنزل الله وهو على ملة الإسلام كان بذلك الحكم كأهل الجاهلية، وإنما هو أن أهل الجاهلية كذلك كانوا يحكمون ا. هـ [3] ."
قال المكفِّر: سلَّمت لك بما ذكرتَ ولكن بحكم العقل هذا الرجل الذي ينحِّي الشرع ويحكم بأحكام الإفرنج ألا يكون كافرًا لكونه وقع في كفر الإعراض وفعله هذا يدل على استحلاله؟ وإلا لماذا يترك أحكام رب الأرباب؟
(1) التفسير (3/ 131) .
(2) الخطط (4/ 310 - 311) ، وهذا القلقشندي من أعيان القرن الثامن. وتنبه -أيها القارئ - كيف أنه وصفه بأنه دين عندهم وما كان كذلك فهو خارج محل النزاع لأن مثل هذا كفر بالإجماع وهو التبديل.
(3) الإيمان ص 45.