فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 575

قال المفسِّق: إنك تريد تكفير هذا المسلم لكونك تصف فعله بأنه كفرُ إعراض. وأرجو قبل وصفك فعله بأنه كفر إعراض أن تكون مستحضرًا لضابط كفر الإعراض الذي هو الإعراض بالكلية عن أصل الدين أو ترك جنس العمل [1] .

وعلى هذا من ترك الحكم بما أنزل الله لم يقع في كفر الإعراض لأنه لم يترك جنس العمل أما إلزامك لمن ترك الحكم بما أنزل الله بأنه مستحلٌ لذلك فهذا إلزامٌ غير صحيح وإن كان محتملًا ولا يدفع الدين اليقيني بالكفر المحتمل لأن من دخل الدين بيقين لم يخرج إلا بيقينٍ مثله فأين هو؟ ثم هذا يفتح بابًا في تكفير أهل المعاصي. فكل من يستعظم معصية يحكم على صاحبها بأنه كافر لأنه مستحل لهذه المعصية إذ فعل هذه المعصية عظيم لا تكون عند ه إلا من مستحل لها.

قال المكفر: ألا ترى أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كفروا العرب الذين امتنعوا عن الزكاة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعلوهم مرتدين وذلك لكونهم جماعة امتنعوا عن شريعة من شرائع الدين ومثل هذا يقال في الجماعة التاركين للحكم بشريعة الله سبحانه.

قال المفسق: قد اختلف العلماء في حكم هؤلاء هل هم كفار أم غير كفار على قولين هما روايتان عن أحمد -رحمه الله -، وإن كنت أوافقك أنهم كفار، وهذا ترجيح ابن تيمية لكن ليس كفرهم لأجل كونهم جماعة إذ القتال جماعة وقع من الخوارج ولم يكفروا باتفاق الصحابة، ووقع من خيار الأمة في الفتن ولم يكفروا والله يقول {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} فأثبت الإيمان مع وجود القتال جماعة. وليس الكفر أيضًا من أجل الترك المجرد لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكفر أبا جميل الذي لم يدفعها بخلًا وإنما الكفر لأجل عدم التزام هذا الحكم الذي سببه عدم الإقرار بوجوبه، إذ من الممتنع أن يقر أحد بوجوب حكم ثم يتركه ويصر على تركه حتى تحت التهديد بالقتل فمثل هذا لا يكون إلا من غير مقر بوجوبها - كما سيأتي من كلام ابن تيمية - فبهذا يكون القتل دليلًا على عدم إقراره بهذا الحكم لا أنه السبب في تكفيره فتأمل.

وتنبه أن هذا مطرد في كل حكم شرعي. قال ابن تيمية: ولا يتصور في العادة أن رجلًا يكون مؤمنًا بقلبه، مقرًا بأن الله أوجب عليه الصلاة، ملتزمًا لشريعة النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به، يأمره ولي الأمر بالصلاة فيمتنع، حتى يقتل،

(1) راجع التسعينية لابن تيمية (2/ 674) ومدارج السالكين (1/ 366) ومنهاج أهل الحق لابن سحمان ص64 - 65. وكون ترك جنس العمل كفرًا قد حكى الإجماع عليه خمسة من علماء الدين، والكتاب والسنة دالان على ذلك، وهؤلاء الخمسة هم: الآجري في كتاب الشريعة (2/ 611) والحميدي والشافعي كما نقله ابن تيمية عنهما في الفتاوى (7/ 209) وأبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الإيمان ص18 - 19 وابن تيمية نفسه في مجموع الفتاوى (14/ 120) وانظر كتابي الإمام الألباني وموقفه على الإرجاء.

فائدة/ قد صرح بلفظة جنس العمل الإمام ابن تيمية (7/ 616)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت