فهرس الكتاب
وابن القيم رحمه الله نجده أحيانًا يقسم التوحيد إلى قسمين: توحيد المعرفة والإثبات .. وتوحيد القصد والطلب .. فيقصد بتوحيد المعرفة والإثبات توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وبتوحيد القصد والطلب توحيد الألوهية، فالأمر اجتهادي مبني على استقراء الأدلة.
ولكن الذي غفل عنه كثير من طلبة العلم هو أن من أنكر هذا القسم أعني توحيد الحاكمية يقصدون وراء ذلك أمورًا أخرى عُرِفت من كلامهم ومناقشاتهم، وهو أن يبرروا للطواغيت تركهم للحكم بما أنزل الله ويهوِّنوا في نفوس المسلمين الحكم بشريعة الطاغوت، وما علموا أن ذلك من أعظم أسباب انتشار الفساد في بلاد المسلمين، فبلدٌ يدّعي الإسلام وحكومة تدّعي الإسلام لا يُرى أثر الإسلام في بلادهم إلا بالمساجد وأصوات الأذان بينما شؤون الحياة يسودها حكم الطاغوت، وكأن الإسلام صار رهبانية لا يُعرف إلا في المساجد ودور العبادة كما هو الأمر عند اليهود والنصارى، وهذه هي العَلمانية التي ينادي بها ويدعوا إليها الغرب الكافر وهي حصر الدين في المساجد وأماكن العبادة وترك شؤون السياسة والحكم لأهلها من الحكام المتسلطين على الشعوب، فإن العلمانية أول ما قامت في فرنسا حين كان الساسة مرتبطون ارتباطًا وثيقًا برجال الكنيسة فثار الشعب وقال: أشنقوا آخر حاكم بأمعاء آخر قسيس، وقامت الثورة وبعدها فُصِل أمر السياسة عن الكنيسة مع ارتباط معها فيما يتعلق بنشر النصرانية والدعوة إليها، وهكذا يريد حكام معظم الدول الإسلامية أن يفصلوا أمور السياسة عن الدين وقد فعلوا، وساندهم في ذلك وأعانهم عليه بعض من ينتسب إلى العلم، بقصد أو بغير قصد.
كما قال بعضهم: أظنّ أنّ مقولة [دع ما لقيصر لقيصر، ودع ما لله لله] تصلح لزماننا.
وكما يردد بعضهم: من السياسة ترك السياسة.
وكما يأمر بعض المتفقهة تلاميذهم بعدم التدخل في أمور السياسة.
ولو قيل لأحدهم إنك علماني لغضب وأنكر، ولكن لو نظرت إلى دعوته لرأيت أنها تشابه دعوة العلمانيين، فالعلمانيون يريدون فصل الدين عن الدولة، وهؤلاء عندما ينصحون غيرهم بعدم التدخل في أمور السياسة إنما يمهدون الطريق للعلمانيين، لأنّ أمور السياسة لابدّ أن تكون خاضعة لحكم الشرع فإنّ الشرع تشمل أحكامه أمور العبادة وأمور المعاملة، والسياسة منها ما هو داخل ضمن الأمور التعبديّة ومنها ما هو من باب المعاملات وكلاهما يجب أن يكون تحت سلطان الشرع وحكمه، والشريعة هي الحكَم على جميع التصرفات سواء في العبادة أو المعاملة.
فعندما يأمر بعض العلماء أو الدعاة الناسَ بعدم التدخل في السياسة يتسنّى للحكام أن يخرجوا عن أحكام الشرع ويسوسوا بلدان المسلمين بالأحكام المخالفة لدين الله وهذه هي العلمانية التي يطالب بها الغرب الكافر، وإنما اختلفت طريقة القيام بها فالغرب أقام العلمانية بالثورة، وهؤلاء يريدون إقامتها بترك التدخل في شؤون السياسة، والثمرة واحدة وهي فصل الدين عن الدولة.
وهكذا أصبح حال الشريعة وحال من ينادي بتطبيقها كحال الأيتام في موائد اللئام.