فهرس الكتاب
بديلًا عن حكم الشرع فهذا كفره كفر أصغر لا يخرج من الملة وعليه يحمل قول ابن عباس رضي الله عنهما؛ فإنه قال ذلك في عهد بني أمية وهم كانوا يحكمون بالشرع ولكن كان يقع من بعضهم ظلم في الحكم، ولم يضعوا أحكامًا مخالفة لحكم الله بدلًا عن حكم الله ويلزموا الناس بها، فلم يُعرف الحكم بالقوانين الوضعية إلا في عهد التتار، ولكن الخوارج أرادوا تكفيرهم بذلك على أصلهم الفاسد في التكفير بالكبيرة، وعلى ذلك فلا يرِد علينا ما ذكره المؤلف من إلزامنا بتكفير كل من لم يعدل في الحكم وتكفير أصحاب المعاصي فإن هناك فرقًا عظيمًا بين الظلم في الحكم دون تشريع وإلزام، وبين تشريع الأحكام المضادّة لشرع الله وإلزام الناس بها، وهذا الذي أشار إليه جملة من العلماء كالشيخ العلامة محمد ابن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله حيث قال: و أما القسم الثاني من قسمي كفر الحاكم بغير ما أنزل الله، وهو الذي لا يخرج من الملة فقد تقدم أن تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لقول الله عز وجل:"ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"قد شمل ذلك القسم، وذلك في قوله رضي الله عنه في الآية:"كفر دون كفر"، وقوله أيضا:"ليس بالكفر الذي تذهبون إليه"وذلك أن تحمله شهوته وهواه على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله، مع اعتقاده أن حكم الله ورسوله هو الحق، واعترافه على نفسه بالخطأ ومجانبة الهدى. اهـ [الدرر السنية، ج16،ص218] .
وقال رحمه الله: وأما الذي قيل فيه كفر دون كفر، إذا حاكم إلى غير الله مع اعتقاد أنه عاص وأن حكم الله هو الحق، فهذا الذي يصدر منه المرة ونحوها، أما الذي جعل قوانين بترتيب وتخضيع فهو كافر، وإن قالوا أخطأنا وحكم الشرع أعدل. أهـ [فتاوى محمد بن إبراهيم 12/ 280] .
وقال الإمام بن القيم رحمه الله: إن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين الأكبر والأصغر، بحسب حالة الحاكم، فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في الواقعة وأنه مستحق للعقوبة فهذا كفر أصغر. اهـ [مدارج السالكين، ج1،ص336]
لاحظ قول الشيخ ابن إبراهيم: في القضية، وقوله: المرّة ونحوها.
وقول ابن القيم: في الواقعة.
فإنّ هذا يدل على أنه إن جعل الحكم المخالف لحكم الله مستقرًا لازمًا فإنه لا يدخل في هذا القسم أعني الكفر الأصغر، بل يدخل في أنواع الكفر الأكبر كما سأبينه لاحقًا إن شاء الله.
والفرق بين الحكم بغير ما أنزل الله في بعض القضايا مع عدم التشريع والإلزام، وبين الحكم بغير ما أنزل الله مع التشريع أو الاستبدال والإلزام:
أن الأول داخل في باب الظلم والمعصية مادام معترفًا بخطئه غير مستبدلٍ حكم الشرع بغيره.
والثاني داخل في منازعة الله في الحكم والتشريع والتحليل والتحريم.
ولكي تتضح لديك المسألة أذكر لك مثالًا ولله المثل الأعلى: