فهرس الكتاب
لو أن حاكمًا وضع قوانين وأنظمة لشعبه وأمرهم بالتقيّد بها وعدم الخروج عنها، فجاء أحد أفراد الشعب وأذِن للشعب فيما نهى عنه الحاكم، ومنعهم مما أمرهم به الحاكم، وألزمهم بذلك، وعاقب من يخرج عن طاعته، فما هو موقف الحاكم منه؟
أليس يَعتبِر هذا منازعة له في شيء من خصوصياته؟
ألا يرى أن هذا الذي يحلل ما حرمه ويمنع مما أمَر به قد جعل نفسه ندًّا له؟
أليس يرى أن هذا من الجرأة عليه والاستهانة بحكمه؟
أليس يرى هذا من باب تحريض الشعب على التمرد على أوامره ونواهيه؟
أليس يرى هذا من أسباب فساد الشعب وتدهور أوضاع البلاد؟
أليس يرى أن ذلك الرجل خارجٌ عن طاعته والخضوع له والاستسلام لحكمه، ومتمرّد على نظامه وحكمه؟
ولله المثل الأعلى.
فالذي يأذن للناس بفعل الفواحش والله قد نهى عنها، ويأذن لهم في الربا وقد نهى الله عنه، ويمنعهم من الجهاد وقد أمر الله به، ويمنعهم من إنكار المنكر وقد أمر الله به، أليس هذا منازع لله في شيء من خصوصياته؟ حيث يأمر الله وهذا ينهى، ويحرّم الله وهذا يسمح ويأذن.
_ ألا يكون هذا المخالف قد جعل نفسه ندًّا لله يُشّرع معه ويضادّه في حكمه؟
_ أليس هذا من باب تحريض الناس على التمرد على أوامر الله ونواهيه وتجريئهم على مخالفة حكمه؟
_ أليس هذا من باب دفع حكم الله وردّه؟ فالذي يأتي إلى حكم الله فيخالفه ويجعل غيره مكانه ويأمر بالانقياد له أليس قد دفع حكم الله وردّه؟
قال الإمام إسحاق بن راهويه رحمه الله: أجمع المسلمون على أن من سب رسوله الله صلى الله عليه وسلم أو دفع شيئا مما أنزل الله عز و جل أو قتل نبيا من أنبياء الله عز و جل: أنه كافر بذلك و إن كان مقرا بكل ما أنزل الله. اهـ [الصارم المسلول على شاتم الرسول/ج1/ص9] .
_ أليس هذا من باب الاستهانة بالله وبأحكامه؟ فالذي يعلم أن حكم الله في السرقة القطع فيأتي ويجعل مكانه السجن أو الغرامة، ويعلم أن حكم الله جواز التعدد فيأتي ويمنع من الزواج بأخرى مع الإذن بأن يتخذ الرجل أخدانًا وصويحبات يزني بهن كما في تونس وبعض الدول العربية، أليس من يفعل هذا مستهين بالله حيث جعل نفسه مشرعًا مع الله؟ ومستهين بحكمه حيث ألغى حكم الله وجعل حكمه أو حكم غيره بدلًا عنه؟
فهل يغني هذا الذي نازع الله في حكمه وتشريعه، وجعل نفسه ندًّا لله، واستهان بالله وبحكمه، واستبدل حكمه بحكم غيره، وأخّر حكم الله وقدّم حكم غيره، وألزم الناس بالاستسلام والإذعان والانقياد لحكم الطاغوت، هل يغنيه أن يقول أنا أعلم بأن حكم الله أفضل وواجب ولكن فعلت هذا لهوىً أو رشوة؟!