فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 575

مع وجود فوارق كبيرة بين المثلين منها:

ـ أن الحاكم بشر يصيب ويخطيء، والله سبحانه لا يقول إلا الحق ولا يحكم إلا بالعدل.

ـ أن الحاكم مخلوق والذي يعارضه من رعيته مخلوق مثله، والله سبحانه هو الخالق وكل الناس عبيده.

ـ أن الحاكم قد يصدر منه الظلم، والله سبحانه لا يظلم أحدًا.

ـ أن مخالفة الحاكم والتمرد عليه قد يكون بحق وقد يكون بباطل، ومخالفة الله والتمرد على أحكامه ومنازعته في التشريع كفر.

ولكن لو أن أحد رعايا الحاكم عصاه في أمرٍ معين فحكم بخلاف ما أمر دون أن يستبدل حكمه بآخر ويلزم الناس به مع اعترافه بالخطأ فهذا لا يعتبر منازعًا له في شيء من خصوصياته ولكنه مخطيء ومستحق للعقوبة، وكذلك من حكم بغير ما أنزل الله في قضية ونحوها لشهوة أو هوى ولم يستبدل حكم الله بغيره مع اعترافه بالخطأ فإنه يدخل في باب المعصية والظلم ولا يدخل في باب المنازعة والتشريع.

إذًا فالحكم بالقوانين الوضعية ليست مسألة معصية وظلم فحسب بل هي قبل ذلك شرك مع الله في التشريع والربوبية، وتعبيد الناس وإخضاعهم لغير حكم الله وشرعه، وردٌّ لحكم الله، واستهانة بالله وبحكمه وتقديم حكم غيره على حكمه.

ـ والحالة الثانية وهي [أن يأتي بقوانين من نفسه ويحكم بها مختارًا] حكمها الكفر الأكبر المخرج من الملة وذلك لأنه إن أتى بالقوانين من نفسه مع علمه بحكم الله ولكنه مع ذلك غيّر وبدّل وألزم الناس بها فإنه مشرِّع مع الله ومنازع لله في ربوبيته وحكمه ومنزِّل عقله ورأيه الفاسد القاصر منزلة علم الله وحكمته وهذا من أعظم المناقضة لشهادة ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.

ولا يُشترط أن يَنسِب ذلك إلى الشرع أو يدّعي أن الحكم الذي أتى به هو حكم الله، لأن إتيانه بالقوانين المخالفة إنما هو تشريع مع الله شاء ذلك أم أبى، وهو إن أتى بالأحكام المخالفة لحكم الله ونصبها للحكم بين الناس فإنه بذلك يكون محللًا ومحرمًا شاء ذلك أم أبى؛ لأن التحليل في الأصل معناه الإذن، والتحريم معناه المنع، فمن أذن في فعل الحرام الذي نهى الله عنه، ومنع من فعل الحلال الذي أحله الله وجعل ذلك قانونًا في بلده فإنه يكون بذلك قد جعل من نفسه ندًّا لله يحكم ويشرّع ويحلل ويحرم، وبيان ذلك أن الله سبحانه حكم على اليهود والنصارى أنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله لأنهم أطاعوهم في تحريم الحلال وتحليل الحرام كما بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لعدي بن حاتم حينما سمعه عدي يقرأ هذه الآية فقال له عدي: إنا لسنا نعبدهم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أليس يحلون لكم ما حرم الله فتحلونه ويحرمون عليكم ما أحل الله فتحرمونه؟) قال بلى قال (فتلك عبادتهم) وفي هذا الحديث من الفوائد:

ـ أن الحكم والتحليل والتحريم من خصائص الرب سبحانه ومن فعله من الناس فإنه منازع لله في ربوبيته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت