فهرس الكتاب
ـ أن الناس إن أطاعوا من بدّل أحكام الله فإنهم يكونون بذلك قد اتخذوهم أربابًا من دون الله.
وإذا كان من أطاعهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله قد اتخذهم أربابًا من دون الله ومن اتخذ من دون الله ربًا فقد كفر، فكيف الحال بأولئك المحللين والمحرمين الذين جعلوا أنفسهم أندادًا لله ينازعونه في ربوبيته وحكمه؟
وبالتالي تعلم بطلان ما ذكره المؤلف من أنه إن أتى بالقوانين وفرضها على الناس لهوى أو شهوة أنه لا يكفر ما دام أنه لم ينسب فعله إلى الشرع؛ لما سبق بيانه من أن إتيانه بالقوانين المخالفة تشريع مع الله ومنازعة لله في الحكم واستخفاف بحكم الله وإعراض عن حكم الله شاء أم أبى، نسبَهُ إلى الشرع أو لم ينسبه، ويوضح ذلك قول الإمام ابن تيمية رحمه الله حيث قال: والإنسان متى حلَّل الحرام المجمع عليه وحرَّم الحلال المجمعُ عليه أو بدَّل الشرع المجمعُ عليه كان كافرًا مرتدًا باتّفاق الفقهاء. اهـ [مجموع الفتاوى، ج3،ص267] .
ولم يشترط أن ينسب التحليل والتحريم وتبديل الشرع إلى شرع الله فتنبه!
وقال الشيخ عبد الله بن حميد رحمه الله: ومَن أصدر تشريعًا عامًا مُلزمًا للناس يتعارض مع حكم الله فهذا يَخرج من الملة [ويكون] كافرًا. اهـ
ـ والحالة الثالثة وهي [أن يقتبس القوانين من دساتير أخرى ويحكم بها مختارًا] حكمها الكفر الأكبر أيضًا؛ وذلك لأنه إن اقتبس القوانين من شرائع منسوخة أو من دساتير أخرى مخالفة لحكم الله فهو مستهين بحكم الله مقدم لحكم غيره على حكمه مستبدلٌ أحكام الشرع بغيرها، وهذا أمر بديهي في غاية الوضوح، فلا يصح عقلًا ولا شرعًا أن يعلم أن الله أنزل أحكامه وشرعها بعلمه وحكمته وأمر بالتحاكم إليها والرجوع إليها، وأنّ حكمه أحسن الأحكام وأعدلها وأصلحها للبشرية، ثم يتركها ويذهب ليقتبس أحكامًا نسجتها عقول بشرية قاصرة أو من شرائع منسوخة، وينصِّبها للحكم بين الناس والفصل بينهم، ويلزمهم بالتحاكم إليها والرضوخ لها ثمّ يقول بعد ذلك أنا ملتزم بحكم الله معظّم له منقاد له، فإن هذا لا يستقيم أبدًا، فإن الاستهانة والاستحلال لا يشترط التلفظ به بل يعرف بالقرائن، بل إن من الأفعال ما هو أبلغ في الدلالة على الاستهانة والاستحلال من الأقوال، وإذا حكم النبي صلى الله عليه وسلم على من أعلن نكاحه بامرأة أبيه بالردة وأمر بقتله وأخذ ماله لأن فعله يدل على الاستحلال، فكيف بمن أتى بالأحكام المخالفة وجعلها في دستوره وأمر بالحكم بها وبنى لها المحاكم وألزم الناس بها وعاقب من خرج عنها وحارب من يدعوا إلى التحاكم إلى شرع الله وزجّ بهم في السجون وسامهم سوء العذاب، فإنّ هذا لا شكّ مستهين بحكم الله معاندٌ لأمر الله معارض لشرع الله وهذا أمر في غاية الوضوح.
وهو بهذا مستبدلٌ أحكام الله بأحكام غيره ودافع لحكم الله ومقدّمٌ لحكم غيره على حكمه، ولا فرق بين أن يأتي بها من عنده أو يأخذها من الكتب المنسوخة أو يأخذها من دساتير أخرى فكلها تشترك في أنها جُعلت بدلًا عن حكم الله وأُقيمت مقامه في الحكم والفصل بين العباد.