فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 575

لا شكّ أن الإكراه من حيث الأصل مانع من موانع التكفير لقوله تعالى: [من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا.

ولكن هل كل إكراه يعتبر مانعًا؟

إنّ من ضوابط اعتبار الإكراه مانعًا أن يكون القلب مخالفًا للفعل أو القول المكره عليه، فمن أُكره على كلمة الكفر أو فعل الكفر وتيقن أو غلب على ظنه أنه إن لم يقل أو يفعل يقتل أو يعذب جاز له أن يقول أو يفعل مع اطمئنان قلبه بالإيمان، بشرط أن لا يكون فعله أعظم ضررًا ومفسدةً من أقصى عقوبات الإكراه وهي القتل، أو مساويًا له.

وتوضيح ذلك بالأمثلة:

ـ إذا أُكرِه الإنسان على قتل نفس مساوية له في الحرمة والعصمة وإلا قُتِل لم يجز له أن يقتل تلك النفس لإبقاء نفسه لتساويهما في الحرمة والعصمة وهذا بإجماع العلماء.

ـ كذلك إذا أُكرِهَ إنسان على أن يُكره غيره على الكفر لم يجز له ذلك لأن الدين أعظم حرمة من النفس، والكفر أشد من القتل، وحفظ الدين مقدم على حفظ النفس.

والفرق بين هذه الصورة وبين جواز النطق بكلمة الكفر أو فعل الكفر عند الإكراه من وجوه:

الوجه الأول/ أن الأولى قاصرة على الشخص نفسه وجاءت فيها الرخصة من الله تعالى، وأما الثانية فإنها متعدية إلى الغير، واللازم أقل ضررًا من المتعدي، والقاعدة عند العلماء أنّ الرخص لا يُتجاوز بها محالها، والضرورة نقدّر بقدرها.

الوجه الثاني/ أنه في الصورة الأولى يُكرَهُ على النطق بالكفر أو فعله فيفعل ذلك وهو كاره له، ولكن في الثانية إذا أكره غيره على قول الكفر أو فعله فقد يقول أو يفعل راضيًا بذلك ويقع في الكفر الذي هو أعظم مفسدة من القتل.

الوجه الثالث/ أن الشرع رخص لمن أُكرِه على كلمة الكفر أو فعله في نفسه هو، ولم يرخص له أن يُكره غيره.

إذا تبين هذا فإن الحاكم بغير الشريعة إن ادعى أنه مكره فلا اعتبار لقوله لأمور:

الأول/ أنه ليس ملزمًا أن يكون حاكمًا على المسلمين بل عليه أن يعتزل الحكم، فإن زعم أنه ملزم فإنه يقدم القتل على ارتكاب الكفر المتعدّي لأن مفسدة قتله أقل ضررًا من حكمه بين الناس بغير الشرع، وإخضاعهم لحكم الطاغوت، فقتله مفسدة خاصة والحكم بغير الشرع مفسدة عامة.

قال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله: فلو اقتتلت البادية والحاضرة حتى يذهبوا لكان أهون من أن ينصبوا طاغوتًا في الأرض يحكم بخلاف شريعة الإسلام التي بعث الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم. اهـ

الثاني/ أنه فاقد للاختيار في فعله فلا يصح أن يحكم غيره وهو لم يحكم نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت