فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 575

الثالث/ أن حكمه بغير الشرع ذريعة لإيقاع الناس في الكفر، وذلك بأن يرضى الناس بتحكيم غير الشرع والتحاكم إلى الطاغوت فيقعون في الكفر، والفتنة في الدين أشد من القتل.

الرابع/ أن تعطيل الحكم بالشرع والحكم بغيره سبب في انتشار الفساد في المجتمع المسلم والاستهانة بالأحكام والحدود، والحاكم ما وُضِع إلا ليسوس أمور المسلمين ويصلحها، ولا تصلح شؤونهم إلا بالحكم بالشرع، وقتله أقل مفسدة من حكمه بغير الشرع؛ لأنّ قتله مفسدة خاصة والفساد الحاصل بترك الحكم بالشرع فساد عام، فَتُحتمل المفسدة الخاصة درءًا للمفسدة العامة.

قال الإمام أبو محمد الكبراني رحمه الله تعالى عندما سُئِل عمن أكرهه بنو عبيد على الدخول في دعوتهم أو يُقتل فقال: «يختار القتل، ولا يُعذر أحدٌ بهذا ... ولا يُعذر أحد بالخوف بعد إقامته؛ لأن المقام في موضع يُطلب من أهله تعطيل الشرائع لا يجوز.

الخامس/ أن الحكم بالشرع عبادة والتحاكم إلى الشرع عبادة، ولا يجوز أن يُكره ويُلزم الناس بعبادة غير الله والخضوع والاستسلام لغير حكمه.

فكما أنه لا يجوز له أن يُكرِه غيره على دعاء غير الله، أو الذبح لغير الله وإن أدّى ذلك إلى قتله، فكذلك لا يجوز له أن يُكرِهَ الناس ويلزمهم بالحكم والتحاكم إلى غير شرع الله.

إذًا فالإكراه على الحكم بالقوانين الوضعية غير معتبر فلا يكون عذرًا وبالتالي يكون حكمه حكم ما قبله وهو الكفر الأكبر.

هذا فيمن استبدل أحكام الشرع بغيرها، أما من أُكرِه على الحكم بغير ما أنزل الله في والواقعة ونحوها دون أن يستبدل الحكم الشرعي بالقوانين المخالفة ويجعلها مكان الحكم الشرعي فإنه يعذر بالإكراه.

مثال ذلك: أن يكون الحاكم ملتزمًا الحكم بالشرع، فيُكرَه على الحكم في قضية ونحوها بغير الشرع فيفعل ذلك كارهًا له فهذا لا يكفر.

أما لو أُكرِه على أن يستبدل حكمًا شرعيًا بغيره ويلتزم بالحكم به مطلقًا ويُلزم الناس بالحكم به والتحاكم إليه فهذا الذي يُعتبر إكراهه غير معتبر؛ لأنه تأخير لحكم الله واستبدالٌ له بغيره، وتعبيد الناس وإخضاعهم لغير الله.

والذي يُلزم الناس بالحكم بغير شرع الله والتحاكم على غير شرع الله كالذي يأمر الناس بالسجود لغير الله أو الذبح لغير الله.

قال الإمام الشنقيطي رحمه الله:"الإشراك بالله في حكمه، والإشراك به في عبادته كلها بمعنى واحد، لا فرق بينهما البتة، فالذي يتبع نظامًا غير نظام الله، وتشريعًا غير تشريع الله، كالذي يعبد الصنم ويسجد للوثن، ولا فرق بينهما البتة بوجه من الوجوه، فهما واحد، وكلاهما مشرك بالله. [الحاكمية في تفسير أضواء البيان لعبدالرحمن السديس ص 52، 53 = باختصار، وانظر أضواء البيان للشنقيطي 7/ 162] ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت