فهرس الكتاب
الثالثة/ يُجوّز للناس - أي يأذن لهم أو يسمح لهم- الحكم بغير شرع الله والتحاكم إلى غير شرع الله ولا ينسب ذلك إلى الدين، وإنما يجعل ذلك نظامًا لدولته، وهذا هو التحليل والتحريم، وهو غير مختص بالحكم بغير ما أنزل الله، بل هو عام في كل حلال واضح ومحرمٍ صريح، فإن الحاكم مأمور في الشرع أن يُحرم ما حرمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ويمنع الناس من ارتكابه، فإذا قرّر في نظام الدولة الإذن بفعل ما حرمه الله والسماح بارتكابه، وأنّ فاعله لا يعتبر مجرمًا حسب النظام ولا يستحق العقوبة على فعله حسب النظام، فهذا كافر، ومناط كفره هو تحليل ما حرم الله، والتشريع مع الله، وهو بذلك قد جعل نفسه ندًّا لله، وهذه الصورة هي التي يخالفنا فيها المؤلف ومن على شاكلته، وهو إنما فسّر التحليل والتحريم بالتجويز ليُخرج معنى التحليل والتحريم عن حقيقته ويجعل مناط الكفر فيه هو العمل القلبي أو التكذيب والجحود وهذه والله دسيسة إرجائية خبيثة، وهذا هو ديدن أهل البدع في لي أعناق النصوص وتحريف أقوال العلماء.
فإن قيل: إن الإذن والسماح بفعل ما حرمه الله لا يُعتبر تجويزًا.
فالجواب: لا شكّ أن معنى الجواز هو الإذن بفعل الشيء ورفع الحرج والذم والعقاب عن فاعله.
ومن أذن وسمح بفعل ما حرمه الله وجعل ذلك نظامًا، ورفع الحرج والعقوبة عن مرتكب ما حرمه الله، ولم يعتبر مرتكب الحرام مخالفًا للنظام ولا مجرمًا في النظام، فهذا لا شك أن قد أحل للناس ما حرمه الله، وهو قد جعل نفسه ندًّا لله، يضع تشريعًا وأنظمة وقوانين تعارض حكم الله، فهذا ينازع الله في ربوبيته وسلطانه وحكمه وتشريعه، ويقدم حكمه على حكم الله، ويجعل حكمه أحق بالاستسلام والانقياد من حكم الله.
وخلاصة المسألة نقول: إن التحليل والتحريم أعم وأشمل من تجويز حكم غير حكم الله، فكل من أذن للناس بفعل ما حرمه الله أو منعهم من فعل ما أمرهم الله به، وجعل ذلك نظامًا أو قانونًا، وأبطل حكم الشرع في ذلك، فهو محلل لما حرم الله ومحرم لما أحل الله، ومشرّع مع الله، سواء سمى فعله تشريعًا أو نظامًا أو قانونًا، فإن المظاهر لا تُغير الحقائق.
فهذه ثلاث صور كلها مكفّرة ولكل صورة منها مناط مستقل في الحكم:
فالصورة الأولى مناط الحكم فيها التكذيب بكتاب الله واستحلال ما حرم الله.
والصورة الثانية مناط الحكم فيها الكذب على الله والافتراء على دينه، لزعمه جواز ما نص الله في كتابه على حرمته.
والصورة الثالثة مناط الحكم فيها تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله ومنازعة الله في ربوبيته وحكمه وتشريعه.
ونحن نقول للمؤلف ومن على شاكلته:
ما معنى التشريع؟
أليس هو الإيجاب والتحليل والتحريم؟