فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 68

بالطعن والطاعون. قيل: يا رسول الله: هذا الطعن قد عرفناه، فما الطاعون؟ قال: وخز أعدائكم من الجن، وفي كل شهادة».

وعن أحمد والحاكم وصححه من رواية عاصم الأحول عن كريب بن الحارث عن أبي بدرة بن قيس أخي أبي موسى الأشعري رفعه: «اللهم اجعل فناء أمتي قتلًا في سبيلك بالطعن والطاعون» .

قال ابن حجر: «ومما يؤيد أن الطاعون إنما يكون من طعن الجن وقوعه غالبًا في أعدل الفصول، وفي أصح البلاد هواء، وأطيبها ماء، ولأنه لو كان بسبب فساد الهواء لدام في الأرض لأن الهواء يفسد تارة، ويصح أخرى، وهذا يذهب أحيانًا ويجئ أحيانًا على غير قياس ولا تجربة، فربما جاء سنة على سنة، وربما أبطأ سنين، وبأنه لو كان كذلك لعم الناس والحيوان، والموجود بالمشاهدة أنه يصيب الكثير، ولا يصيب من هم بجانبهم مما هو في مثل مزاجهم، ولو كان كذلك لعم جميع البدن، وهذا يختص بموضع الجسد ولا يتجاوزه، ولأن فساد الهواء يقتضي تغير على أنه من طعن الجن» [1] .

وقد ثبت في سنن ابن ماجه ومستدرك الحاكم أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا عليهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا» ، وأخرج الحاكم كذلك: «إذا كثر الزنا كثر القتل، ووقع الطاعون» فبين في هذين الحديثين أن من أسباب الطاعون انتشار الفاحشة والرذيلة في المجتمع الذي ينشر فيه أسباب الفسق والفاحشة من دعوة للتبرج والسفور، وإعلان الصور الفاضحة والمسلسلات الخليعة التي تخدش الحياء، وتنفر منها الطباع، وتدعو الناس إلى احتذاء سير أصحابها وتقليدهم في فحشهم وفجورهم، ومن ثم كانت عقوبتهم أن يسلط الله عز وجل عليهم الطاعون، الذي يفتك بأجسامهم حتى يموتوا، وقد علق الشيخ المناوي على الحديث المتقدم: «إذا كثر الزنا كثر القتل، ووقع الطاعون» بقوله: «وذلك لأن حد الزنا القتل فإذا لم يقم الحد فيهم سلط الله عليهم الجن فقتلوهم» [2] . اهـ. وكلامه هذا خاص بالزاني المحصن، لأن عقوبته الرجم، وفي تفسيره هذا نظر، ويكفي أن يقال: إن الطاعون عقوبة لأهل الفسق والإجرام كغيره من العقوبات مثل التي ذكرها الله عز وجل في القرآن، مما جازى به سبحانه أهل الزيغ والفساد كما قال جل شأنه: {فَكُلًا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [3] . ولا يتعارض هذا مع ما ورد أن الطاعون شهادة كما أخرج البخاري في كتاب الطب أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «الطاعون شهادة لكل مسلم» . وما ورد كذلك أن الطاعون رحمة من الله عز وجل كما أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه [4] وعبد بن حميد في مسنده [5] ، والطبراني في معجمه الكبير [6] ولفظه مختصرًا عن

(1) المرجع السابق (10/ 181) .

(2) «فيض القدير» (1/ 266) .

(3) سورة العنكبوت: 40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت