الحجاب
للشيخ
أبي الأعلى المودودي
رحمه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لوليه والصلاة على نبيه والسلام على كل هاد إلى سويه.
وبعد، فهذا كتاب ألفته قبل عشرين سنة تقريبًا شرحًا لهدي الإسلام ونظامه لما بين الرجل والمرأة من العلاقة في الحياة الاجتماعية وتفنيدًا لما قد راج بين المسلمين في هذا العصر من الآراء الباطلة والعادات السيئة والمناهج الموبقة في هذا الباب محاكاة منهم لحضارة الغرب ومدنيته الزائفة.
قد مضى على تأليفي لهذا الكتاب عشرون سنة، كما قلت آنفًا، وإني جد متأسف أن ما انهال علي في هذه المدة من الأعمال المهمة المتنوعة لم يترك لي المجال، على رغم ودي، لأراجع النظر في هذا الكتاب وأكمله بمعنى أن أضم إليه ما جد خلال السنوات الأخيرة من المعلومات عن أحوال الغرب ومجرياته وخاصة ما يتعلق منها بشؤون المرأة، حتى يأتي اليوم في طبعته العربية وافيًا بالمقصود التام وساردًا للوقائع والأمثلة متسلسلة من الأول إلى هذه الساعة. بيد أنه إذ لا فرق -من حيث المبدأ على الأقل- بين ما بينت في هذا الكتاب من الأسس والمناهج للحياة الغربية وبين الأسس والمناهج التي تجري فيها اليوم، وهي هي بذاتها سوى أن قد تجلى للدنيا اليوم من نتائجها الوخيمة وثمراتها المسمومة ما كان خافيًا على بعض الناس إلى الأمس، وأرجو أن يستطيع كل من له إلمام بأحوال الغرب واطلاع على شؤون المرأة فيه، إذا تابع البحث على نحو ما سقته في هذا الكتاب، أن يستكمل الكتاب ويجعله متناولًا للموضوع إلى هذه الساعة بمعلوماته نفسه.
على أني قد عالجت هذا الموضوع نفسه -موضوع الحياة الاجتماعية- في تفسيري لسورة النور، فعلى من أراد التفصيل المزيد لأحكام الشريعة الإسلامية وتعاليمها في باب الحياة الاجتماعية، أن يراجع ذلك التفسير، فإنه عسى أن يجد فيه من تفاصيلها ما قد لا يجده في هذا الكتاب، وإني على ثقة من أنه إذا قرأ هذين الكتابين معا، فإنه قلما يحتاج إلى كتاب آخر لمعرفة أحكام الشريعة وتعاليمها في الحياة الاجتماعية.
الحقيقة إنني كنت منذ عدة سنوات ماضية أتمنى لو نقل إلى اللغة العربية كتاباي"الحجاب"و"تفسير سور النور"، حتى أتمكن بهما من إبلاغ رسالتي إخواني أبناء البلاد العربية، وذلك أني كنت أشعر بواسطة الجرائد والمجلات التي كانت ترد علينا من مصر وغيرها من البلاد العربية بأن المرأة في البلاد العربية قد بلغت من اعتدائها لحدود الشريعة وانسياقها ورراء تيار الحضارة الجديدة درجة ربما لم تبلغها المرأة حتى في بلادنا نحن؛ فكنت لكل ذلك أجد في نفسي من القلق والاضطراب ما قد طالما أقضّ علي مضجعي وأجرى الدموع من عيني. ثم إنها لم قدّر لي قبل عامين ونصف زيارة بعض البلاد العربية وهناك شاهدت بعيني ما بلغه حقًا تبذل المرأة العربية المسلمة وتبجحها بالعري والفتنة وشدة ولوعها باقتفاء آثار أختها الغربية، ازددت قلقًا واضطرابًا أكثر من ذي قبل.
إننا، مسلمي باكستان والهند، ما زلنا نرزح تحت نير الاستعمار البريطاني طيلة مدة 190 سنة متوالية [1] .
(1) بدأ استيلاء الانكليز علينا سنة 1757م ولم نتحرر من سلطتهم السياسية إلا سنة 1947م.