ثم هناك مدة الرضاع التي لا تحيا المرأة فيها لنفسها. بل للوديعة التي تستودعها الفطرة إياها. فتتحول خلاصة جسمها إلى لبن سائغ للولد. ومن الغذاء الذي تأكله، لا ينال جسمها إلا البلغة وأما سائره فيصرف في إنزال اللبن في صدرها. وتعد الرضاع أيضًا يكون على المرأة أن تصرف عنايتها كلها إلى احتضان الولد وتعهده وتربيته حقبة طويلة من الزمن. وقد حلوا مسألة الرضاع أخيرًا باستبدال الأغذية الخارجية للطفل بلبن أمه ولكنه ليس بحل مصيب. إذ أنه لا عوض في هذه الدنيا للغذاء الذي قد وضعته الفطرة للطفل في ثدي أمه، وقد اتفق الأخصائيون على أنه ليس كلبن الأم غذاء للطفل لنشأته الصحيحة فحرمانه منه لا شك ظلم وأثرة ممقوتة. ثم إنهم قد اقترحوا لتربية الأولاد أيضًا دورًا للحضانة والتربية، لكي تكفي الأمهات مؤنتها، فيفرغن لمشاغل خارج البيت. ولكن من غير الممكن أبدًا أن يهيأ للطفل الحنان الأموي في دار حضانة أو تربية للأطفال. وما كان لينشأ في قلوب المربيات المأجورات ذلك الحب والحنان ورقة العاطفة، التي تتطلبها الطفولة وتفتقر إليها في أوائل عهدها. وهذه الطرق المبتدعة لتربية الأولاد لم تُجرب بعد تجربة كاملة، إذ لم تتخرج بعد الأجيال الناشئة من تلك المعامل الجديدة للتربية، ولم تظهر الدنيا على طباعهم وأخلاقهم وسلوكهم العملي، حتى يُحكم على هذه التجرية الجديدة بالنجاح أو الفشل. ومن ثم لم يئن بعد لأصحابها أن يدّعوا كونهم قد وجدوا في هذه الطرق الجديدة بدلًا صحيحًا لعاطفة الأمومة ولا يزال من الحقيقة القائمة أن مثوى التربية الفطرية للولد هو حضنُ أمه ليس غير.