الصفحة 110 من 200

وليس تكليف المرأة بالواجبات الخارجية ظلمًا لها فحسب، بل الحقيقة أنها ليست أهلا كل الأهلية للقيام بواجبات الرجال، وإنما ينهض بها من العاملين من كانت قوة عملهم ثابتة لا تفتر، وكانوا يستطيعون أن يؤدوا واجباتهم بمقدرة سواء على الدوام، وكانت قواهم العقلية والجسدية مما يوثق به ويُعتمد عليه. وأما من كن عرضة في كل شهر لنوبات الأذى الذي يُذهب كل قدرتهن وكفاءتهن، أو يقلّل منهما جدًا، وكانت قوة عملهن في هبوط دون المستوى المطلوب مرة بعد أخرى، فهيهات أن يستطعن النهوض بتلك الواجبات. ولفهم ذلك تمثل في خيالك جندًا أو أسطولا بحريًا من النساء، ينزل معركة، وإذا رُبع الجنود كاد يتعطل عن العمل لأذى المحاض، وسدسها لا يستطيع الجهد والعمل الشاق بسبب الحمل، وجانب غير قليل منه قد لزم الفراش لآلام النفاس. فماذا ترى هذا الجند يفعل في ميدان القتال! ولعلك تفند هذا المثال بقولك: إن خدمة الدفاع والقتال لا ريب أشق الخدمات، ولا نقول إن المرأة لها بكفء. ولكن قل لي بربك أي الأعمال من الشرطة والقضاء والإدارة والسفارة والصناعة والمهنة والتجارة وأعمال سكك الحديد هيّن سهل لا تستلزم تبعاته قوة عمل ثابتة موثوقًا بها؟! لذلك إن الذين يريدون أن يقلدوا المرأة أعمال الرجال، فكأني بهم لا يريدون إلا إحدى ثلاث: إما أن يبدّلوا جميع النساء غير النساء فيقضوا على النوع قضاء، أو يلتقطوا جزءًا من طبقة الإناث في كل جيل، فيجردوهن من طبيعة الأنوثة، أو يحطوا من مستوى الجدارة والأهلية لجميع شؤون التمدن عامة!

ومهما اخترت من هذه الصور فلا شك في أن إعداد المرأة لوظائف الرجال مما يناقض وضع الفطرة ومقتضاها، ولا نفع فيه للإنسانية أو للمرأة نفسها. ولأن المرأة قد خُلقت لأجل الولادة والتربية بدلالة علم الحياة، فقد حبتها الفطرة في الناحية النفسية أيضًا تلك الملكات التي هي ملائمة لوظيفتها تلك، كالحب والحنان والرحمة والشفقة ورقة القلب وذكاء الحس ولطف العواطف. ثم لأنه قد وضع الرجل في الحياة الجنسية موضع (الفعل) ووضعت المرأة موضع (الانفعال) فقد رُكّبت فيها -غالبًا- تلك الصفات التي تُعدها للعمل في جوانب الحياة الانفعالية. ففيها اللين والمرونة بدل الشدة والصلابة، وفيها التأثر بدل التأثير، والانفعال بدل الفعل، وفيها الخضوع والمسايرة بدل الثبات والمقاومة. وفيها الفرار والامتناع والإحجام بدل الجراءة والجسارة والإقدام. وهل يكون للمخلوق المتصف بهذه الصفات أن يصلح للأعمال وينجح في دوائر الحياة التي تقتضي الشدة والتحكم وقوة المعارضة وهدوء الأعصاب، وتحتاج إلى قوة حكم عادلة رزينة، بدل رقة قلب وسماحة عاطفة، وإلى عزم متصلب ورأي غير مجامل، بدل قلب متعطف وصدر حان .. ؟! الحق أن إقحام المرأة في مثل هذه الشعب للتمدن تضييع لها وتعريض لتلك الشعب نفسها للضياع.

ثم إن قيام المرأة بتلك الأعمال ليس لها فيه ارتقاء، بل هو مظنة هبوطها وسقوطها. إذ أن ارتقاء طبقة من الناس لا يكون بأن تُمحق فيها المؤهّلات الطبيعية، وتستعاض منها على وجه التصنّع، مؤهلات أخرى لم تؤتها من قبل الفطرة، بل ارتقاؤها في أن تُنمي فيها المؤهلات الطبيعية وتهذب وتصقل، وتتاح لها الفرص للعمل، على أحسن وجه ممكن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت