الصفحة 111 من 200

وليس للمرأة في ذلك التصنع والتكلف نجاح أو فلاح، بل هي أجدر فيه بالخيبة والفشل. لأن جانبًا من جانبي الحياة الإنسانية يقوى فيه الرجال ويضعف النساء، والجانب الآخر تقوى فيه النساء ويضعف الرجال فإذا أريد بالنساء، أن يسايرن الرجال في مضمارٍ هنّ فيه أضعف منهم وأعجز، فلا بد أن يؤدي ذلك إلى تأخر النساء عن الرجال وتخلفهن وراءهم لأبد الآباد. وإنك مهما حاولت واجتهدت، فلن تجد من صنف الإناث نابغة واحدة من أمثال أرسطو وابن سينا وكانت وهيجل وشيكسبير والخيام والإسكندر ونابليون وبسمارك وصلاح الدين الأيوبي ونظام الملك الطوسي، كما أنه لا يمكن لرجال هذه الدنيا أجمعين -مهما احتالوا واجتهدوا- أن يخرجوا من صنفهم أمًا واحدة من النمط البسيط.

وليس في منفعة للتمدن نفسه، بل فيه له كل المضرة. لأن الحياة والحضارة الإنسانية حاجتهما إلى الغلظة والشدة والصلابة كمثل حاجتهما إلى الرقة واللين والمرونة، وافتقارهما إلى القواد البارعين والساسة والإداريين الحازمين كافتقارهما إلى الأمهات المربيات والزوجات الوفيات والنساء الصنع المدبرات. فأيما واحدة من هاتين الطبقتين أسقطتهما وأهملتها، جررت على التمدن في كل حال بالغ الضرر والخسارة.

فهذه قسمة عادلة قد شاءتها الفطرة بين صنفي الإنسان. ويدل على هذه القسمة ويؤيدها كل من علوم الأحياء والتشريح والنفس والعمران. وإن كون الولادة والتربية مقصورة على المرأة وحدها هو الحقيقة الفيصل التي تخصّ لها دائرة للعمل في التمدن، وما كان لتدبير مصطنع أن يبدل قضاء الفطرة هذا وليس التمدن الصالح إلا الذي يقبل -أولا- حكم الفطرة كما هو، ثم يضع المرأة موضعها الصحيح، وينزلها منزلة العزّ والكرامة في الاجتماع، ويقر لها حقوقها التمدنية والاقتصادية الشرعية، ويجعل لها البيت وللرجل ما وراءه، وإياه يجعل قوّامًا على الأسرة. فكل تمدن يخل بهذه القسمة الطبيعية بين الصنفين أو يمحوها محوًا، قد يظهر ببعض المظاهر الخلابة من المجد والرقي المادي حينًا من الزمان، ولكنه إلى البوار والدمار لا محالة لأن المرأة إذا كلفت القيام بالتبعات الاقتصادية والتمدنية مثل الرجل فلا بد أن تضع عن نفسها واجبات الفطرة. ومآل ذلك خراب التمدن، بل خراب الإنسانية نفسها. ثم إن المرأة إن خرجت على طبعها وفطرتها واجتهدت لأن تقوم بأعمال الرجال كلها، فإنها قد توفق فيه بعض التوفيق ولكن الرجل لا يمكنه بحال من الأحوال أن يستأهل لولادة الأولاد وحضانتهم وتربيتهم.

وإذا روعيت هذه القسمة الطبيعية بين الصنفين، كان تنظيم الأسرة وتعيين وظائف الرجل والمرأة في الحياة على ما يأتي من الأصول لا محالة:

1 -إلى الرجل تكون عيالة الأسرة ورعايتها وحمايتها، والقيام بما هو عسير شاق من خدمات التمدن فيكون تعليمه وتربيته على النحو الذي يجعله أنفع ما يكون لهذه المقاصد.

2 -وإلى المرأة تكون تربية الأولاد وواجبات البيت، والعمل على جعل الحياة المنزلية بحبوحة أمن ودعة وراحة. فتُحلى بأحسن ما يكون من التربية والتعليم لأجل قيامها بهذه الخدمات.

3 -ولاستبقاء نظام الأسرة ووقايته الفوضى والشتات، لا بد أن يجعل لأحد من أفراد الأسرة الحكم والأمر على سائرهم، في ضمن حدود القانون؛ حتى لا تظل الأسرة كقطيع من الغنم بلا راع. وذلك الفرد الآمر لا يمكن أن يكون من غير صنف الرجال. لأن عضو الأسرة الذي تكون حالته العقلية والنفسية عرضة للتغيّر، مرة بعد أخرى، في أيام المحيض وفي زمان الحمل، لا يصلح أبدًا لاستعمال سلطة الحكم والأمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت