الصفحة 115 من 200

وهذا الضعف الإنساني -في ميله إلى الشق الواحد- يظهر على أتم إفراطه وتفريطه في المسألة الاجتماعية التي نحن بصدد البحث فيها الآن:

ففريق مال إلى جانب الأخلاق والروحانية، وغلا فيه إلى أن جعل العلاقة الجنسية بين الصنفين في ذاتها شيئًا يُعاب ويُزدرى. وهذا الانحراف عن القصد تجده في ديانة (بوذا) والنصرانية وفي بعض الديانات الهندكية. ومن تأثيره ما يوجد في جزء كبير من هذا العالم من اعتقاد أن العلاقة الجنسية بذاتها إثم، سواء كانت في دائرة الزواج أو خارجها فماذا كانت نتيجته؟ كانت النتيجة أن جُعلت حياة الرهبنة، المنعزلة غير المتمدنة، غاية الأخلاق ومقصود التزكية النفسية! وأضاع كثير من أفراد النوع الإنساني -رجالًا ونساء- مواهبهم العقلية وقواهم الجسدية في مجانبة الفطرة، بل في محاربتها ونضالها. والذين استجابوا منهم لدواعي الفطرة، ومارسوا العلاقة الجنسية فيما بينهم، لم يفعلوها إلا متحرجين، كمن يقضي لنفسه حاجة مستقذرة على كره منه. ومن البديهي أن مثل هذه العلاقة لا يمكن أن تكون بين الصنفين رابطة المودة والتعاون، ولا هي جديرة بإنشاء تمدن صالح ماض إلى الرقي. وليس هذا فقط، بل هذا التصور الخلقي هو الذي أدى إلى حط منزلة المرأة في نظام الاجتماع، إذ جاء عشاق الرهبانية يحكمون على النزعة الجنسية بأنها وسوسة الشيطان، وعلى محرك هذه النزعة -وهي المرأة- بأنها حبالة إبليس. وجعلوها مخلوقًا نجسًا يجب أن يحتقره كل من يحب لنفسه التزكي والطهارة. وهذا التصور لمنزلة المرأة هو الغالب، في الآداب النصرانية والبوذية والهندكية. وتستطيع أن تُقدّر ما عسى أن يكون من مكانة المرأة في النظام الاجتماعي الذي يُشاد على هذا التصور.

وفريق، على عكس ذلك؛ راعى للإنسان دواعيه الجسدية، وغلا فيه غلوًا جعله يتعدى مقتضيات الطبع الحيواني فضلًا عن الطبع الإنساني. وقد اتضح هذا الإفراط في التمدن الغربي وضوحًا لا يمكن معه ستره، مهما حاول المحاولون. فالزنى ليس بجريمة في قانونه، وإنما الجريمة هي ما كان معه إكراه أو تدخل في حق شرعي لشخص آخر. وأما إذا كان الزنى لا يقترن بإحدى هاتين الجريمتين، فإنه ليس في ذاته جريمة تستوجب العقاب، وليس حتى بعار خلقي يستحيا منه. ولو وقف التمدن الغربي عند هذا الحد، لكان ذلك منه وقوفًا عند حدود الفطرة الحيوانية، ولكنه تجاوزه إلى أن أبطل المقصد الحيواني أيضًا من العلاقة الجنسية، وهو التناسل وبقاء النوع، بما اتخذ هذه العلاقة أداة للمتعة واللذة الجسدية. ولما بلغ الإفراط بالإنسان إلى هذا الحد، عاد هذا المخلوق الذي خلق في أحسن تقويم مردودًا أسفل سافلين. فانحرف أولًا عن فطرته الإنسانية، فاسترسل في العلاقة الجنسية المطلقة كالتي تكون في الحيوانات، ولا يمكن أن تكون أساسًا لتمدن. ثم انحرف عن فطرته الحيوانية أيضًا فحال بين العلاقة ونتيجتها الطبيعية -وهي التوليد- حتى لا ينشأ في العالم أجيال تخلفه وتبقي من بعده نوعه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت