وقوم ثالث استشعروا بخطورة الأسرة، فنظموها بقيود وحدود، جعلت كل فرد من أفرادها كالأسير المغلول، ولم يراعوا الموازنة بين الحقوق والواجبات. ومن أمثلة ذلك البارزة، نظام الأسرة الهندكي، الذي لا حرية فيه للمرأة في إرادتها أو عملها ولا حق لها في التمدن والمعاش، وهي خادم في كل حال، بنتًا أو زوجة أو أما، وإذا كانت أيمًا فهي أحط شأنًا وأسوا حظًا من الخادم، وكأنها حي ميت، عليها كل واجب وليس لها أي حق. فحاول القوم في هذا النظام الاجتماعي أن يجعلوا المرأة من بدء نشأتها نوعًا من بهيمة الأنعام، حتى لا ينشأ في نفسها الشعور بذاتها أصلا ولا ريب أنهم أحكموا بذلك أركان الأسرة، وأصبح نشوز المرأة معه من المستحيل، ولكن هذا النظام بما حط وصغّر من شأن النصف الكامل من جماعة الإنسان، قد أقام في سبيل نهوضه وارتقائه عقبة جسيمة ومفسدة هائلة، عاد الهنادك بأنفسهم يحسون بسوء عواقبها ومضارها.
وجماعة أخرى، قاموا لرفع مكانة المرأة، ومنحها الحرية في الإرادة والعمل، فتغالوا في ذلك إلى أن أفسدوا نظام الأسرة. فعادت الزوجة حرة مختارة، والبنت مطلقة العنان والابن مخلى له في الرهان، والعائلة كالقطيع الشارد، ولا راع يذود ولا حظيرة تؤوي"، ولا سبيل لأحد أفرادها على الآخر. فليس للزوج أن يسأل زوجته أين باتت البارحة؟ ولا للأب أن يحاسب ابنته على القرناء الذين تخالطهم أو الأمكنة التي تختلف إليها. والزوجان في حقيقة الأمر شريكان سويان يؤلفان الأسرة على شروط متساوية بينهما، ومنزلة الأولاد في هذه (الشركة) كمنزلة الأعضاء الصغار. وقد يبدد نظام هذه الأسرة المتألفة أدنى خلاف في الطبائع والأمزجة، لخلو هذه الجماعة من عنصر الإطالة الذي هو لازم لصون كل نظام من التشتت. وهذا هو مثل الاجتماع الغربي الحديث، ذلك الاجتماع الذي يدعي حاملو لوائه أنهم رسل الهدى في شؤون التمدن والعمران. ولكنك إن شئت أن تكشف عما وراء (رسالتهم) هذه. فانظر في تقرير من تقارير إحدى محاكم الزواج والطلاق أو إحدى محاكم جنايات الأطفال ( Juvenile Courts) في أوربة وأميركا، تتضح لك جلية أمرهم. فهذه الأرقام التي قد نشرها أخيرا مكتب الوزارة الداخلية بانكلترا تفيد أن الجرائم إلى الزيادة كل يوم في صغار الأبناء والبنات. ومن أسبابها الخاصة ارتخاء النظام التأديبي في الأسرة [1] ."
(1) انظر: Blue Rook of Crime Statistics for 1934.