إن غريزة الحشمة والحياء التي ركبت في الإنسان ولا سيما في فطرة المرأة، ولم يصِب في فهمها أي تمدن إنساني في القديم أو الحديث، ولا وفق لرعاية مقتضياتها في اللباس وفي أساليب الحياة الاجتماعية. ومع أن هذا الحياء قد عد من أحسن فضائل الإنسان ولا سيما المرأة، لم يظهر قط في لباس الإنسان ومظاهر اجتماعه بصورة قاعدة مطردة أو طريق عقلي. ولم يعن أحد بتعيين الحدود الصحيحة لستر العورات ولا بمراعاتها بسوية .. ولا قد حددت صور مراعاة الحياء في أزياء الذكور والإناث وفي آدابهم وعاداتهم بحسب مبدأ أو ضابطة. ولم تضبط حدود الكشف والستر بين رجل ورجل. وبين امرأة وأخرى، وبين رجل وامرأة، على وجه معقول متناسب. وعلى قدر ما كان هذا الأمر خطيرًا من جهة التهذب والثقافة والأخلاق العامة، كانوا في غفلة عنه وإهمال له فأحالوا جانبًا منه على العرف والتقاليد، والحال أن التقاليد تتبدل بتلدل الأوضاع الاجتماعية ووقفوا الجانب الآخر على نزعات الأفراد الشخصية واختيارهم. والواقع أن الأشخاص والأفراد لا يتساوون في غريزة الحياء والأدب، ولا أوتي كل منهم من سلامة الذوق وإصابة الاختيار ما يؤهله لأن يختار بنفسه طريقًا يلائم غريزته تلك. وكان من جرير ذلك أن أصبح يوجد في لباس الجماعات المختلفة وطرق اجتماعهم خلط عجيب من الوقاحة والحياء، يخلو من كل مناسبة عقلية ومن كل نسق واطراد، كما يخلو من التزام أي مبدأ من مبادئ الأخلاق. أما الشرق فبقي الأمر فيه مقصورًا على تنافر الأزياء وعدم تناسبها، ولكنه لما طغى هذا العنصر من الوقاحة والابتذال في أهل الغرب. نسخوا آية الحياء من أخلاقهم نسخًا وجعلوه اسمًا بلا معنى. وأصبح من نظريتهم الحديثة المبتكرة أن الحياء ليس بغريزة طبيعية في الإنسان، بل هو شيء ناتج عن اعتياده التستر باللباس. وليس لستر العورات ومراعاة الحياء من صلة بالتهذب والأخلاق أصلا."بل هو في الحقيقة عامل من العوامل المحركة لغريزة الشهوة في الإنسان [1] ". ومن المعاني العملية لهذه الفلسفة الماجنة ما يرى عندهم اليوم من الأزياء الفاضحة ومباريات الجمال والرقص العريان، والصور المكشوفة والعرض المسرحي الفاحش. والدعوة النامية إلى التجرد: ( Nudism) ورجعة الإنسان إلى البهيمية الخالصة.
ومثل هذا الانحراف عن نقطة الاعتدال تجده أيضًا في الجوانب الأخرى لهذه المسألة:
فالذين عظموا شأن العفة والأخلاق، ما حفظوا المرأة باعتبارها وجودًا حيوانيًا ذا عقل وشعور، بل حفظوها كحفظ الجماد من النفائس والأعلاق. فجعلوا أمر تعليمها وتربيتها وراء ظهرانيهم، مع أن أهميته للمرأة لا تقل عن أهميته للرجل، لمصلحة الحضارة والتمدن. والذين اهتموا -بخلاف ذلك - بتربيتها، أهملوا العفة والأخلاق كل الإهمال، ومهدوا أسباب التمدن والحضارة من جهة أخرى.
(1) هذه بالحرف هي الفكرة التي عبر عنها الأستاذ ويستر مارك ( Wester marck) في كتابه:"الزواج الإنساني""The History of Human Marriage".