وأما الذين راعوا القسمة الطبيعية في وظائف الجنسين، فما كلفوا المرأة من واجبات التمدن والاجتماع إلا تربية الأولاد وتدبير المنزل، وحملوا على الرجل أعباء الكسب والعمل ولكنهم ما استطاعوا التزام التوازن في هذه القسمة العادلة. فسلبوا المرأة جميع حقوقها الاقتصادية، ولم يجعلوا لها حقًا في الميراث، وإنما حصروا كل حقوق الملك في الرجل وحده. وبذلك جعلوا المرأة عاجزة قعيدة من الجهة الاقتصادية، وأنزلوها من الرجل منزلة الخادم من سيدها. وقام بإزاء هذه الطائفة طائفة أخرى أرادت أن تتدارك هذا الحيف والظلم، وترد إلى المرأة حقوقها التمدنية والاقتصادية، ولكن هؤلاء وقعوا في خطأ آخر، وهو أنهم، لغلبة المادية على أذهانهم، زعموا أن إنقاذ المرأة من الاستعباد التمدني والاقتصادي، معناه أن تجعل هي أيضًا -كالرجل- عضوا كاسبا في الأسرة، وتشرك به في القيام بجميع واجبات التمدن. وكانت هذه الطريقة رائقة جذابة من الوجهة المادية، لأنها لم تخفف من أعباء الرجل وكفى بل ضاعفت أسباب المعيشة واكتساب للثروة، لاشتراك المرأة مع الرجل في الكسب، وفوق ذلك هيأت لتسيير دفة المعيشة والعمران القومي ضعفي الأيدي والأذهان العاملة، مما زاد في سير ارتقاء التمدن بغتة، وبدّل مشيه خببًا. ولكن كان من العاقبة المحتومة لهذا الرجحان المفرط إلى الجانب المادي والاقتصادي أن عميت عليهم الجوانب اخرى التي لم تكن أقل خطورة من هذا. فطووا الكشح عن كثير من النواحي عن عمد. وخالفوا قانون الفطرة عن بينة وعلم، وهو ما يشهد به تحقيقهم هم، ثم ادعوا إنصاف المرأة ومنحها حقوقها الواجبة ولكنهم في الحقيقة ظلموا وجاروا عليها وهذا ما تدل عليه تجاربهم ومشاهداتهم. وأرادوا أن يساووا بينها وبين الرجل ولكنهم في الواقع أخطؤوا المساواة وأفسدوا بينهما الميزان، ومصداق ذلك علومهم وفنونهم أنفسهم. ونشدوا، بعد ذلك إصلاح التمدن والعمران، بيد أنهم هيؤوا في نفس الأمر أسبابا حائلة لخرابه مما تعلم تفاصيله من الأحداث والأرقام التي قد سجلوها بأنفسهم. ومن البديهي أنهم ما كانوا وليسوا يجهلون هذه الحقائق كلها. بل الأمر، كما ذكرنا آنفًا، أن من الضعف الإنساني أنه إن تصدى لوضع قانون لحياته، لا يستطيع أن يراعي جميع المصالح مراعاة معتدلة متزنة، لأنه يجرفه تيار أهوائه ورغباته إلى جانب من جوانب الإفراط. وإذا هو مال إلى جانب واحد، فكثير من الجوانب تعمى عليه، وكثير من المصالح والحقائق يغمض هو نفسه عنها عينيه! وليس أدل على هذا التعامي والإغفال المتعمد من شهادة أعمى من أنفسهم. فهذا العالم الطبيعي الروسي الممتاز انطون نيميلاف Anton Nemilov الذي هو شيوعي خالص العقيدة، يسوّد مئتي صفحة من كتابه [1] The Biological of Tragedy of Woman) لإثبات عدم المساواة الفطرية بين الرجل والمرأة بتجارب العلوم الطبيعية ومشاهداتها، ثم يعقّب بنفسه على كل هذا التحقيق العلمي بقوله:"إذا قيل في هذه الأيام: إن المرأة يجب أن تمنح في دائرة التمدن حقوقًا محدودة، لم يؤيده من الرجال إلا الأقل. ونحن بأنفسنا ممن يخالفون هذا الرأي. ولكن ينبغي ألا نخدع أنفسنا بزعم أن إقامة الرجل والمرأة في الحياة العملية أمر هين ميسور. الحق أنه لم يجتهد أحد في الدنيا لتحقيق هذه المساواة بين الصنفين، مثل ما اجتهدنا في روسيا السوفيتية ولم يوضع في العالم من القوانين السمحة البريئة من التعصب، في هذا الباب مثل ما وضع عندنا. ولكن الحق، مع ذلك كله، أن منزلة المرأة قلما تبدلت في الأسرة ... (الصفحة: 76) ولا في الأسرة فحسب، بل قلما تبدلت في المجتمع أيضًا."
(1) نشرت ترجمة هذا الكتاب باللغة الانكليزية في لندن سنة 1933م.