الصفحة 120 من 200

وهناك في هذا العالم التائه بين الإفراط والتفريط، نظام تمدني وحيد، يمتاز بغاية التوازن والاعتدال، ويراعي كل ناحية -مهما دقت وصغرت- من نواحي الفطرة الإنسانية، ويستند إلى المعرفة التفصيلية الكاملة بتكوين الإنسان وجبلته الحيوانية وطبعه الإنساني وخصائصه النفسية ودواعيه الفطرية، ويحقق مقصود الفطرة من خلق كل شيء من ذلك تحقيقًا تامًا لا يفوت حتى أهون المقاصد وأبسطها. ثم تتحد فيه هذه المقاصد جميعًا وتتعاون على تحقيق ذلك المقصد الرئيسي الأعلى الذي هو غاية حياة الإنسان نفسه. ويبلغ هذا الاعتدال والاتزان والتنسب مبلغًا من الكمال، ليس في وسع الإنسان أن يخترعه بعقله أو جهده. أما أن يكون القانون من وضع الإنسان ثم لا يوجد في ناحية من نواحيه ميلان أو رجحان، فمما لم يمكن قط ولن يمكن أبدًا. وذلك أن الإنسان العامي لا يستطيع حتى أن يفهم كل الفهم مصالح هذا القانون المعتدل المتزن الحكيم، فضلًا عن أن يقدر على وضعه، ما لم يكن أوتي طبعًا سليمًا وما لم يكتسب العلوم، ويمارس التجارب في ذلك القانون مدة من السنين، ثم يظل أعواما متوالية يفكر فيه ويتأمل. وإني لا أمدح هذا القانون لكوني قد آمنت بالإسلام. بل الأمر أني ما آمنت بهذا الدين إلا لأني وجدت فيه كمال التوازن والتناسب وحسن الملاءمة لقوانين الفطرة، مما قد جعل قلبي يشهد بأن واضع هذا القانون هو الذي قد فطر السموات والأرض، وهو عالم الغيب والشهادة. ومن الحق أن لا يهدي الإنسان التائه في مجاهل الضلال، إلى طريق القصد والاعتدال، إلا هو سبحانه."قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ" (الزمر: 46) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت