التحفُّظات
هذه صيغة كاملة لنظام الاجتماع الإسلامي، قد عرضناها في الصفحات الماضية. وهنا، قبل أن يتقدم القارئ في البحث يَحسُن به أن يعيد النظر في الخصائص البارزة لهذه الصيغة. فممّا يرومه هذا النظام الاجتماعي:
1 -أن يُطّهر الوسط الاجتماعي من كل محركات الشهوة وعوامل إغرائها وتهيجها بقدر الإمكان، حتى يكون لقوى الإنسان الفكرية والجسدية أن تنشأ وترتقي في جو هادئ مطهّر، ويتمكّن الإنسان من أن يقوم بنصيبه من العمل لتعمير التمدن بقوة موفورة مدّخرة.
2 -أن تكون العلاقات الجنسية محدودة في دائرة الزواج أما خارج هذه الدائرة، فلا يُسدّ فيه باب الفوضى العملية فحسب، بل باب الشرود الفكري أيضًا ما أمكن.
3 -أن تكون دائرة عمل الرجل منفصلة عن دائرة عمل المرأة ويكلّف كل منهما بخدمات تمدّنية مختلفة وفقًا لطبيعته ومقدرته الجسدية والعقلية. ثم تُنظّم علائقهما تنظيمًا يجعلهما متعاونين متعاضدين في حدود الشرع. ولا يكون لأحد منهما أن يتجاوز تلك الحدود، فيتدخّل في شؤون الآخر.
4 -أن تكون منزلة الرجل في الأسرة منزلة القوّام، ويكون جميع أفراد الأسرة مطيعين لرب البيت.
5 -وأن يتمتع كل من الرجل والمرأة بالحقوق الإنسانية الكاملة، ويُتاح له أحسن الفرص للتقدم والرقي، بدون أن يتجاوز الحدود المرسومة له في نظام الاجتماع.
وإن النظام الاجتماعي الذي قد شُيّدت أركانه على هذه الصيغة، يحتاج إلى تحفظات تضمن لكيانه البقاء بخصائصه جملة. والذي يتّخذه الإسلام من هذه التحفظات، هو من أنواع ثلاثة:
1 -إصلاح الباطن.
2 -قوانين العقوبات.
3 -التدابير الوقائية.
وهذه التحفظات الثلاثة قد اقتُرحت كلها مراعاة لملاءمتها التامة لمزاج النظام الاجتماعي ومقاصده. فهي تحفظه وتقوّي أمره بتفاعلها معًا.
فبإصلاح الباطن يُربّى الإنسان تربية تحمله على إطاعة هذا النظام الاجتماعي من تلقاء نفسه، سواء أكان هناك في خارجه قوة تكرهه على الإطاعة، أم لم تكن.
وبقانون العقوبات يوصَد باب الجرائم التي تقضّ هذا النظام وتهدم أركانه.
وبالتدابير الوقائية تروّج في الحياة الاجتماعية عادات وطرق تطهّر بيئة المجتمع من المغريات المتصنّعة والمحرّكات غير الطبيعية. وتقلّل من إمكان الفوضى الجنسية إلى أبعد مدى. فالذين لا يتمّ إصلاح باطنهم بالتعليم الخلقي، ثم هم لا يخافون قانون العقوبات، تقيم هذه الطرق الاجتماعية في سبيلهم من العقبات ما يتصعّب عليهم الإقدام العملي على الفوضى الجنسية، برغم كونهم مائلين إليها. ثم هذه الطرق هي التي تفرق بين دائرتي عمل المرأة والرجل بالفعل، وتقيم نظام الأسرة على صورتها الإسلامية الصحيحة، وتُحافظ على الحدود التي قد رسمها للتمييز بين حياة النساء وحياة الرجال.