3 -وقد استحثّ الاختلاط المطلق بين الرجال والنساء غريزة التبرّج والعري في النساء، وزواجهن تلوثًا بالفواحش فالجاذبية الجنسية ( Sexual Attraction) التي قد أودعتها فطرة الرجل والمرأة ولها عليها سلطان لا يُنكر، تزداد قوة واشتدادًا باختلاط الجنسين وتتخطّى حدوده بكل سهولة. ثم من شأن هذا المجتمع المختلط أن تنشأ فيه غريزة جديدة في الجنسين، وهي الظهور بأبهى مظاهر الزينة وأجذبها Attractive للجنس الآخر. ولما لم يعد التزيّد من أسباب الزينة والتجمّل شيئًا ينكر ويُعاب، بفضل تبدل النظريات الخلقية، بل يُستحسن التبرج السافر والأخذ بكل أسباب الفتنة والاستهواء، فلا يقف هذا الافتتان بإبداء الزينة والجمال عند حد، بل يتجاوز الحدود كلها واحدًا بعد آخر، حتى ينتهي أمره إلى آخر غايات العُرْي المشين. وهذا ما قد وصلت إليه الحال في المدنية الغربية. فقد ازدادت -ولا تزال تزداد- في المرأة غريزة التجمّل وحب الظهور بالمظاهر الجذّابة للرجال إلى حد أن لا تكاد تقتنع نفسها الوثّابة المتطلعة بالملابس البراقة الفاتنة وأسباب الزينة المتجدّدة من الوشي والتطاريف والأصباغ والحلى، بل تطمح إلى ما وراء ذلك، فتكاد تتجرّد من ملابسها وتريد ألا تستر جسمها هُدْبة ثوب منها. هذه حال المرأة عندهم، وأما الرجال فما تزيدهم كل هذه المظاهر الخلابة من الجمال النسوي إلا شوقًا وطموحًا ونهمة. لأن نار الشهوة والعاطفة البهيمية المتأجّجة في الصدور لا تخمد بكل منظر جديد من الخلاعة والسفور، بل تزداد لهيبًا وتتطلب منظرًا آخر أكثر منه سفورًا وحسورًا وتكشفًا، مثلهم في ذلك كمثل من تصيبه لفحة من السموم، فيكاد لا يسكن ظمؤه. كلما ازداد شربًا ازداد عطشًا وظمأ، فهم دائمًا في إعداد أدوات وتهيئة أسباب وظروف لإطفاء أوار شهوتهم المبرّح بهم. ولا يهدأ لهم دون ذلك بال ولا هم يستقرّ لهم قرار. وما هذه الصور العارية وهذا الأدب المكشوف وهذه القصص الغرامية وهذه المراقص والمباذل والمسرحيات المشحونة بالعواطف والنزعات العارمة، ما هذه كلها إلا نماذج من جهودهم وحيلهم -التي يتعاطونها لإخماد نار الشهوات الجامحة ولكن في الحقيقة لاستثارتها والنفخ فيها- التي أجّجها هذا المجتمع الماجن وتلك الحياة الاجتماعية الضالة في صدر كل فرد من أفرادهم. ولكنهم قد سمّوها بالفن ( Art) لإخفاء هذا الضعف الكامن في نفوسهم وفي حياتهم!
ولا يزال هذا الداء الوبيل -من غلبة الشهوات البهيمية- ينخر في كيان الأمم الغربية ويتنقّص من قوة حياتها بسرعة هائلة. والتاريخ يشهد أنه ما سرى هذا الداء في مفاصل أمة إلا أوردها موارد التلف والفناء. ذلك بأنه يقتل في الإنسان كل ما آتاه الله من القوى العقلية والجسدية لبقائه وتقدمه في الحياة. وأنّى للناس -لعمر الله- ذلك الهدوء وتلك الدعة والسكينة التي لا بد لهم منها لمعالجة أعمال الإنشاء والتعمير، وما دامت تحيط بهم محركات شهوانية من كل جانب، وتكون عواطفهم عرضة أبدًا لكل فن جديد من الإغراء والتهييج، ويحيق بهم وسط شديد الاستثارة قوي التحريض، ويكون الدم في عروقهم في غليان مستمر بتأثير ما حولهم من الأدب الخليع والصور العارية والأغاني الماجنة والأفلام الغرامية والرقص المثير والمناظر الجذابة من الجمال الأنثوي العريان، وفرص الاختلاط بالصنف المخالف؟! أستغفر الله: بل أنى لهم ولأجيالهم الناشئة أن يجدوا في غمرة هذه المهيّجات الجو الهادئ المعتدل الذي لا مندوحة لهم عنه لتنشئة قواهم الفكرية والعقلية، وهم لا يكادون يبلغون الحلم. حتى يغتالهم غول الشهوات البهيمية ويستحوذ عليهم؟! وإذا هم وقعوا بين ذراعي هذا الغول فأنّى لهم النجاة منه ومن غوائله وعواديه؟!