الصفحة 16 من 200

هذا البيان الموجز للتطورات التاريخية الممتدة على ثلاثة آلاف سنة راجع إلى بقعة كبيرة من هذه الأرض، قد كانت فيما خلا مثوى لحضارتين عظيمتين في تاريخ البشر، وها قد تألق نجم حضارتها في سماء الدنيا مرة أخرى. ومثل هذه التطورات التاريخية قد حصلت في كل من مصر وبابل وفارس وغيرها من الممالك. وكذلك بقي وطننا -شبه القارة الهندية- أيضًا عامهًا في أمر المرأة بين طرفي الإفراط والتفريط فترى فيه بجانب أن المرأة تُتخذ مملوكة وينزل الرجل منها منزلة المالك والمعبود. وهي محتوم عليها أن تظل مملوكة لأبيها بكرًا ولبعلها ثيّبًا ولأولادها أيّمًا، ثم تقدم ضحية على نيران زوجها إذا مات عنها [1] . وتحرم حقوق الملكية والإرث. وتلزم بأشد ما يكون من قوانين الزواج مما يسيغ تسليم المسكينة إلى رجل من الرجال بغير رضاها واستصوابها، ثم لا يجيز لها أن تتخلص من حيازته إلى آخر أنفاس حياتها. وهي تُعتقد بعد ذلك مادة الإثم وعنوان الانحطاط الخلقي والروحي. ولا يسلّم لها حتى بوجود الشخصية المستقلة. وبجانب آخر إذا أقبل عليها القوم بالعناية والعطف، فإنها تُتّخذ لعبة للشهوات الحيوانية. وهنالك تركب المرأة هوى الرجل ركوبًا يمكّنها من قياده فتعتسف به الطريق، حتى تضل به في بيداء الحياة وتضل الأمة كلها معها. فهذه التقاليد الهندكية من تقديس فرج الذكر والأنثى (لنك ويوني) وعبادة التماثيل العارية المزوّجة، وتكريم خادمات المعابد العواهر Religious Prostitutes واختلاط الجنسين في ألعاب عيد (هولي) وفي الغسل المطهّر في المياه المقدسة في حال توشك أن تكون عريًا .. ما هذه كلها؟ وأي شيء تذكّره به وتدل عليه؟ إن هي في الحقيقة إلا باقيات السوء لتلك الحركة (البام ماركية) التي انتشرت في الهند أيضًا انتشار الوباء عقب ازدهار الحضارة فيها -كما انتشرت فيما قبل في بابل وفارس واليونان والروم- وتركت الأمة الهندكية في حال التخلّف والانحطاط لمدة قرون.

إنك إن تأمّلت هذا البيان التاريخي الموجز، تبيّن لك مبلغ عجز الإنسان عن الاهتداء إلى نقطة الاعتدال في أمر المرأة وكيفية تقصيره في فهمها والاستمساك بها. وهل نقطة الاعتدال في أمر المرأة إلا أن تتاح لها الفرص الكاملة لتنشئة مداركها وإنماء كفاءاتها، وأن تؤهّل للقيام بنصيبها من العمل على ترقية المدنية والحضارة الإنسانية بكل ما تملكه من الكفاءات الراقية برقي التمدن. ولا تُترك -بجانب آخر- أداة للتفسّخ والانحطاط الخلقي وسببًا لخراب الإنسانية. بل يجب أن توضع لتعاون الجنسين في مضمار الحياة خطة مستقيمة تضمن لمشاركتهما في العمل كل المنافع والبركات للتمدن البشري ونقطة الاعتدال هذه ما زالت ضالّة الدنيا منذ قرون من السنين، ولكنها لم تظفر بها بعد. وإنما بقيت تخبط الظلماء دونها. تارة تميل إلى التفريط فتجعل النصف الكامل من النوع البشري عضوًا معطّلًا عن العمل، وأخرى إلى الإفراط فتصل بين طرفي الإنسانية بأسباب الخلاعة والإباحية والفجور، فتغرقهما معًا في لُجّة الضلال.

(1) إن الهنادك يحرقون موتاهم. وكنوا فيما يحرقون زوج الميت معه حيًا، حتى منعتهم الحكومات المسلمة، والحكومة الإنكليزية بعدها من هذا الرسم القبيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت