ليست نقطة القصد والاعتدال بمعدومة اليوم، بل هي لمن يطلبها مهيأة موجودة. ولكن الناس بما دارت بهم الرحى بين الإفراط والتفريط منذ آلاف من السنين، قد أصبحوا لدهشتهم وذهولهم لا يكادون يعرفونها إذا هي مُثلت أمام أعينهم، ولا يعلمون، إذا عاينوها، أنها هي التي لم تزل فطرتهم تطلبها وتلتمسها. وأعجب من ذلك أنهم ربما يتنكّرون لبغية نفوسهم هذه، ويطعنونها ويتخذونها هزوًا. ثم يعكسون الأمر، فبدل أن يلوموا أنفسهم، يلومون ويُخجلون من يجدونه مستمسكًا بها وداعيًا إليها. مثلهم في ذلك كمثل طفل إنساني يولد في معدن رخام، ولا يبرحه حتى يشبّ. فيكون جوه الضيق المظلم في عينيه جوًا صافيًا مشرقًا، وهواؤه المحبوس الكدر في شعوره هواء خالصًا طلقًا. فإن أنت أخرجته فجأة من مضيق المعدن إلى براح الأرض، لا جرم أن يُنكر لأول وهلة كل ما يراه في هذا الجو السافر المشرق، ويستوحش منه. ولكن الإنسان مهما كان من فساد بيئته وتربيته، إنسان على كل حال. فإلام يا تُرى يخفى على عينيه الفرق بين سقف من الرخام الأسود والسماء المتلألئة بالنجوم الزواهر. وإلى متى يفوت رئتيه التمييز بين الهواء. الخانق في غيابة المعدن والهواء الطبيعي في فضاء الأرض؟!