الصفحة 161 من 200

إن أول ما عني به الإسلام في سبيل إحكام الاجتماع هو إبطال العري، وتعيين العورات للرجال والنساء. وإن الحال التي كانت عليها الجاهلية العربية في التهاون بالعري، لا تختلف عنها حال الأمم المهذبة الراقية اليوم اختلافًا يذكر فكان رجال من العرب يتعرى بعضهم أمام بعض بدون حياء أو تردد [1] . وكانوا لا يرون لزوم الاستتار من أفضل العبادات [2] . حتى النساء كن يتعرّين عند الطواف [3] . وكن يلبس في عامة الأحوال لباسًا يكشف عن بعض الصدر وعن جانب من الذراعين والكشح والساقين [4] ... وهي حالة توجد اليوم بعينها في أوربة وأميركا واليابان. وليس في أقطار الشرق أيضًا نظام اجتماعي -غير الإسلام- قُرّرت فيه حدود الكشف والستر، على وجه العناية والاهتمام.

فلقّن الإسلام النوع الإنساني أول درس في الحضارة في هذا الباب بقوله:"يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا" (الأعراف: 26) . ففُرض بهذه الآية ستر بالجسم على كل رجل وامرأة. وشدد النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن كشف العورة والنظر إليها. فقال:"معلون من نظر إلى سوأة أخيه" [5] ."لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة" [6] "لأن أخرّ من السماء فأنقطع نصفين أحب إلي من أن أنظر إلى عورة أحد أو ينظر إلى عورتي" [7] ."إياكم والتعري، فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط وحين يفضي الرجل إلى أهله" [8] ."إذا أتي أحدكم أهله فليستتر، ولا يتجردا تجرد العيرين" [9] وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات مرة إلى إبل الصدقة فرأى راعيها تجرد في الشمس. فعزله وقال:"لا يعمل لنا من لا حياء له" [10] .

(1) قد أخرج مسلم في باب (الاعتناء بحفظ العورة) أنه أقبل مسور بن مخرمة بحجر يحمله ثقيل وعليه إزار خفيف فانحل إزاره، ومعه الحجر لا يستطيع أن يمنعه، حتى بلغ به إلى موضعه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارجع إلى ثوبك فخذه ولا تمشوا عراة.

(2) قد روي عن ابن عباس ومجاهد وعطاء وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير الزهري وغيرهم أنهم قالوا:"كان رجال من العرب يطوفون بالبيت عراة" (ابن كثير: ج2 ص210) .

(3) قد جاء في كتاب التفسير في صحيح مسلم أن كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، فتقول: من يعيرني تطوافًا، تجعله على فرجها وتقول:

(اليوم يبدو بعضه أو كله ... فما بدا منه فلا أحله)

وكان إعطاء الكسوة لمثل هذه السائلة يعد من البر.

(4) انظر التفسير الكبير للرازي الآية:"وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ".

(5) أحكام القرآن للجصاص.

(6) أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي -باب تحريم النظر إلى العورات.

(7) المبسوط -كتاب الاستحسان.

(8) الترمذي -باب ما جاء في الاستتار.

(9) ابن ماجه -باب التستر عند الجماع.

(10) المبسوط -كتاب الاستحسان الجزء 10 - الصفحة 155.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت