إن اتباع جنازة المسلم فرض كفاية في الإسلام، ولا يخفى على أهل الخبرة ما ورد في الحث عليه من الأحكام. ولكن كلها للرجال. وأما النساء فقد نهين عنه، وإن لم يكن هذا النهي مشددًا فيه، وكن قد رخص لهن في الأمر في بعض الأحايين. على أن أقوال الشارع عليه السلام تفيد بوضوح لا لبس فيه أن اتباع النساء للجنائز لا يخلو من مكروه. وقد أخرج البخاري عن أم عطية، قالت: نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا [1] . وقد جاء في سنن ابن ماجة والنسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في جنازة، فرأى عمر امرأة، فصاح بها. قال النبي صلى الله عليه وسلم:"دعها يا عمر! فإن العين دامعة والنفس مصابة والعهد قريب". ولعل المرأة كانت من أقارب الميت، فتبعت جنازته لفرط الحزن، فأحس ذلك منها النبي صلى الله عليه وسلم فنهى عمر عن زجرها.
وقل مثل ذلك في زيارة القبور. إن النساء رقيقات القلوب وذكرى أقاربهن الأموات أعلق بنفوسهن. فما أحب الشارع عليه السلام أن يكبت عواطفهن وأحاسيسهن كبتًا، ولكنه صرح مع ذلك أن الإكثار من زيارة القبور محظور لهن في الإسلام. فقد أخرج الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوارات القبور [2] . وأنت عائشة رضي الله عنها قبر أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر، فقالت:"لو شهدتك ما زرتك" [3] . وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة عند قبر وهي تبكي. فقال:"اتقي الله واصبري" [4] .
تأمل كل هذه الأحكام التي مرت بك في هذا الباب. إن الصلاة عبادة مقدسة. والمسجد مقام ملؤه الطهارة والصفاء. والحج موسم يحضر فيه الإنسان بيت الله بالقلب الخاشع والطرف الغضوض. والجنائز والقبور كلها تذكّر الزائر بالموت، وتبعث في نفسه الشجى والحزن. وفي كل هذه المواقع، تكون النزعات الجنسية إما معدومة في الإنسان أصلًا، أو يتغلب عليها ما هو أزكى وأطهر من المشاعر والعواطف. ولكن الشارع عليه السلام لم يرض أن يختلط الرجال والنساء حتى في مثل هذه المجامع والمناسك. ولئن أذن لهن في الخروج إليها، أو أخرجهن بنفسه إليها في بعض الأحيان، نظرًا لنزاهة المقصد وطهارة الموضع والمحل، ورقة مشاعر الجنس اللطيف، فإنه ألزم خروجهن بقيود من الحجاب. لا تترك للفتنة أدنى مجال. ثم صرح لجميع تلك العبادات -اللهم إلا الحج- أن عدم حضور النساء لها خير وأحسن من حضورها. فكيف تتوقع من القانون الذي ينزع هذه النزعة في أمر خروج المرأة لتلك الشعائر والعبادات، أن يجيز اختلاط الصنفين في المدارس والكليات والمكاتب والمعامل والمتنزهات والمتفرجات، والمقاهي والمراقص، والمسارح والسينما؟
(1) البخاري- باب اتباع النساء الجنازة.
(2) الترمذي- باب ما جاء في كراهية زيارة القبور للنساء. وقد أخرج ابن ماجه مثل هذا الحديث عن ابن عباس وحسان بن ثابت رضي الله عنهما.
(3) الترمذي -باب ما جاء في زيارة القبور للنساء.
(4) البخاري -باب زيارة القبور.