الصفحة 21 من 200

كان هذا الدور أخبث الأدوار وأخزاها في تاريخ المسلمين. ففي هذا العصر نشأت مسألة الحجاب. ولو كان البحث في هذه المسألة مقصورًا على تعيين الحد الذي وضعه الإسلام لحرية المرأة، لهان الأمر، ولم يستعص حلّه. لأن أكثر ما هناك من الاختلاف بين المسلمين في هذا الباب هو منحصر في وجه المرأة ويديها: هل يجوز إبرازها أم لا؟

وليس هذا الاختلاف بخطير جدًا، ولكن الواقع ههنا غير ما ذكرنا. الواقع في الحقيقة أنه نشأت هذه المسألة في المسلمين لكون الغرب قد نظر إلى الحجاب والنقاب والحرم بعين المقت والازدراء وصوّره أقبح تصوير وأشنعه فيما كتب ونشر، وعدّ (حبس) المرأة من أبرز عيوب الإسلام. وأنّى كان للمسلمين أن يغضوا على هذه النقيصة التي أخذها الغرب عليهم فيما أخذ. ففعلوا في هذه المسألة -الحجاب- مثل ما فعلوا أيضًا في مسائل الجهاد والرق وتعدد الزوجات وما شاكلها من المسائل، فعمدوا إلى الكتاب والسنة يتصفحون أوراقهما، وإلى كتب الفقه والأحكام ينقّبون عن اجتهادات الأئمة فيها، لعلهم يجدون في أثنائها ومطاويها ما يُعينهم على غسل هذا العار الذميم عن أنفسهم. فإذا بهم يقعون على أقوال لبعض الأئمة تجيز للمرأة أن تبدي وجهها ويديها وتخرج كذلك من بيتها لحوائجها، ويعلم منها أيضًا أن المرأة يجوز أن تشهد الحروب لسقي المجاهدين ومداواة المرضى. ثم وجدوا في تلك الأقوال إذنًا بخروج المرأة إلى المسجد للصلاة وجلوسها للتعلم والتعليم. فكفاهم هذا القدر من المعلومات لأن يدّعوا أن الإسلام قد أعطى المرأة حرية مطلقة، وأن الحجاب من تقاليد الجهلاء، اتخذه المتأخرون من المسلمين الجامدين المحافظين، ويخلو من أحكامه القرآن والحديث. وإنما القرآن والسنة يعلمان الحياء والخفْر على سبيل التعليم الخلقي، وليس فيهما قانون أو ضابط يقيّد حركة المرأة وتنقلها بقيد ما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت