ومن الضعف الطبيعي في الإنسان أنه إذا ما اختار مذهبًا من المذاهب في شؤون حياته يكون بدء اختياره لذلك المذهب بنزعة عاطفية غير عقلية. ثم يأتي بعد ذلك، فيستعين بالمنطق والعقل على إثبات كون نزعته تلك صحيحة معقولة. كذلك وقع في أمر الحجاب أيضًا. فما عرضت للمسلمين مسألة الحجاب لشعورهم بضروة عقلية أو شرعية، وإنما كان مأتاها فيهم ذلك النزوع والميلان الذي نشأ من تأثرهم ببريق حضارة أمة غالبة، ومن ارتياعهم لدعاية تلك الأمة في عداء التمدن الإسلامي.
وذلك أن رجال الإصلاح من المسلمين لما رأوا المرأة الأوربية وما هي عليه من زينة وتجمّل، وحرية في الحركة والجولة ونشاط زائد في الاجتماع الغربي .. لما رأوا كل هذا بعيون مسحورة وعقول مندهشة، تمنّوا بدافع الطبيعة أن يجدوا مثل ذلك في نسائهم أيضًا، حتى يجاري تمدنهم تمدن الغرب. ثم أثرت فيهم النظريات الجديدة من حرية المرأة وتعليم الإناث ومساواة الصنفين ... التي كانت تنصب عليهم كالوابل المدرار بلغة قوية منطقية وفي طبع أنيق جذّاب. حتى أماتت هذه الكتب والمنشورات الغربية بقوة دعايتها ملكة النقد والجرح فيهم. فاستقرّ في سويداء قلوبهم أنه لا بد لكل من يرغب أن يعد من (المستنيرين الجدد) ويدفع عن نفسه تهمة الرجعية و (الدتيانوسية) أن يؤمن بتلك النظريات إيمانه بالغيب ويؤيدها ويحامي عنها فيما يكتب ويخطب، ثم يروجها في الحياة العملية حسب ما أوتي من همة وجرأة. كان هؤلاء تكاد تسوح بهم الأرض من فط الخجل حينما يرون الغربيين يتهكمون بنسائهم المتنقبات المستورات في اللباس العادي، وينبزونهن بـ (الجنائز المكفنة المتحركة) ، وإلى متى، يا ترى، يطيق القوم الصبر على هذه الوخزات؟ .. لذلك استعدوا آخر الأمر -بالرضا أو بالكره- لأن يقوموا فيدفعوا عن أنفسهم هذا العار المخزي.
وهذه هي النزعات والعواطف التي بعثت المسلمين على القيام بحركة (تحرير) المرأة، التي قاموا بها في أواخر القرن التاسع عشر. فمنهم من كانت هذه النزعات كامنة في شعورهم الخلقي، فلا يدرون بأنفسهم ماذا يجرّهم ويدفعهم إلى تلك الحركة، فكانوا مخدوعين عن أنفسهم. ومنهم آخرون كانوا يشعرون بنزعاتهم تلك شعورًا تامًا ولكنهم يستحيون ويُحجمون عن إبداء نزعاتهم الحقيقية، فهؤلاء لم يكونوا مخدوعين بل دهاة خادعين: وعلى كل قام هذان الفريقان كلاهما بعمل واحد هو أنه سحب ذيل الخفاء على المحركات الحقيقية لحركته تلك وحاول أن يظهرها بمظهر حركة عقلية بدلًا من إظهارها حركة عاطفية، وساق في تأييدها جميع الأدلة التي تلقاها من الغرب مباشرة كصحة النساء وارتقائهن في مجالي الفكر والعمل، وحقوقهن الفطرية واستقلالهن الاقتصادي، وتخلصهن من ظلم الرجال وأثرتهم، وانحصار رقي المدنية في رقيّهن، لكونهن شطرًا كاملًا من الأمة .. إلى آخر هذه الحجج، حتى ينخدع عامة المسلمين ولا يفتضح عليهم صميم المقصد من تلك الحركة، وهو حمل المرأة المسلمة على اقتفاء آثار المرأة الأوربية واتباع الطرق الاجتماعية الرائجة بين أمم الغرب.