ولكن أدهى وأخبث ما عادوا يخدعون به الناس في هذا الصدد هو احتيالهم لإثبات حركتهم الضالة موافقة للإسلام باستنباط من القرآن والسنة، مع أن هناك بونًا بعيدًا عن الإسلام والحضارة الغربية في المقاصد العامة ومبادئ تنظيم الاجتماع. ذلك أن المقصد الرئيسي الذي يريد أن يحققه الإسلام هو -كما سنبينه فيما يأتي- كبح جماح غريزة الإنسان الجنسية ( Sex Energy) وضبطها وتقييدها بضابط خلقي يضمن استعمالها في بناء تمدن صالح مطهر، بدل إهمالها وتضييعها في الفوضى العملية والهياج الجنسي. ومقصد التمدن الغربي -بخلاف ذلك- هو حث سير التمدن بإشراك المرأة والرجل في تدبير شؤون الحياة وتحمل تبعاتها على حد سواء، واستعمال الغرائز الشهوانية في مشاغل وفنون تحوّل متاعب الحياة وآلامها إلى لذات ومسرات. ومن نتيجة هذا الاختلاف في المقاصد بين الإسلام والتمدن الغربي أن يكون بينهما اختلاف مبدئي في طرق تنظيم الاجتماع. فالإسلام يضع نظامًا للاجتماع حسب مقاصده قد فصل فيه بين دائرتي عمل الرجل والمرأة إلى حد كبير، وحظر اختلاط الذكور والإناث بدون قيد خلقي. ثم حسمت فيه جميع الأسباب التي تخل بهذا الضبط والتقييد. وبخلاف ذلك فإن ما تقتضيه طبيعة المقصد الذي يرمي إليه التمدن الغربي، هو أن يدفع الجنسان -الرجل والمرأة- إلى ميدان مشترك في الحياة وترفع من بينهما جميع الحجب التي قد تحول دون اختلاطهما الحر ومعاملتهما المطلقة، وأن تتاح لهما الفرص الكاملة غير المحدودة لاستمتاع أحدهما بجمال الآخر ومحاسنه الجنسية.
ولك أن تقدر منه أنه ما أمكر القوم الذين يريدون بجانب أن يتبعوا التمدن الغربي، ثم يحتجون لفعلهم ذلك بقوانين النظام الاجتماعي الإسلامي، وما أكبر خداعهم هذا الذي يخدعون به أنفسهم أو غيرهم. إن أقصى ما أوتيت المرأة من الحرية في الاجتماع الإسلامي هو أن تبدي وجهها ويديها إذا دعت الضرورة، وأن تخرج من بيتها لأوان الحاجة، ولكن هؤلاء يجعلون هذا الحد الأقصى من حريتها نقطة البدء وبداية المسير، فيقومون من آخر حدود الإسلام ويتقدمون في سبيل الحرية ويمعنون، إلى أن يخلعوا عن أنفسهم كل الحياء والاحتشام. فلا يقف الأمر بإناثهم عند إبداء الوجه واليدين، بل يجاوزه إلى عرض الشعر المسرح والذراع المكشوفة والنحر العريان أو شبه العريان، ولف ما وراء ذلك من محاسن الجسد ومفاتنه في لباس شفاف ينمّ عن كل ما يرضي شهوة الرجال. وهذه الهيئة لا تبدو فيها الأزواج والبنات والأخوات أمام محارمهن فقط، بل يخرجن بكل تبرج من بيوتهن ويمشين في الأسواق ويتعلمن في الكليات مع الرجال ويأتين الفنادق والمسارح، ويباح لهن من التكلم والمداعبة مع الأجانب ما لا يباح لهن في الإسلام حتى مع إخوانهن! وتُحمل رخصة الإسلام للمرأة في الخروج من البيت عند الضرورة وبشرط مراعاة حدود الستر والتزام الحياء، على أن تغدو وتروح في الطرقات وتغشى المتنزهات وتتردد إلى الملاعب والسينما مرتدية أجمل الملابس الجذابة وأفتنها للناظرين بالحركات المغرية والنظرات الجريئة. ويُتّخذ إذن الإسلام للمرأة في ممارسة أمور غير الشؤون المنزلية -ذلك الإذن المقيد المشروط بأحول وضرورات خاصة- يتخذ حجة ودليلا على أن تودّع المرأة المسلمة كالفرنجية جميع تبعات الحياة المنزلية وتدخل في النشاط السياسي والاقتصادي والعمراني، فتُساير الرجل وتسعى معه بل تسابقه في كل ميدان من ميادين العمل!