الصفحة 34 من 200

ويجمل بنا، قبل أن نطّرد في البحث، أن نلقي نظرة على الأفكار التي قدمها القائمون بحركة منع التناسل. ولعله ما كان في حسبان الاقتصادي الانكليزي الأخصائي مالطوس ( malthus) حينما عرض في أواخر القرن الثامن عشر اقتراحه بضبط التوليد منعًا لازدياد العمران، أن اقتراحه هذا سيعود بعد قرن من السنين أكبر عامل في إشاعة الفاحشة والفجور. فإنه لم يقصد به حينئذ إلا أن يشير على قومه بضبط النفس وعقد الزواج في السن المتقدمة تفاديًا من زيادة النسل وتزاحم العمران. ولكنه لما نشأت في آخر القرن التاسع عشر الحركة المالطوسية الجديدة ( Neo Malthusian movement) كان مبدؤها الرئيسي أن تُقضى شهوة النفس بحرية تامة، ثم تمنع نتيجتها الطبيعية -أي الحمل والولادة- بوسائل العلوم التجريبية. فجاء هذا المبدأ الجديد يزيح العقبة الأخيرة التي كانت عسى أن تعترض طريق الناس إلى المخادنة والمعاشرة الجنسية المطلقة. إذ عادت المرأة الآن تستطيع أن تُسلم نفسها لأجنبي بلا حذر من أن تحمل منه ويقع عليها ما يتبعه من تبعات. وليس هنا موضع ذكر النتائج التي آلت إليها حركة منع التناسل وإنما نريد أن نسرد بعض النماذج من الأفكار التي قد أكثروا من بثّها ونشرها في الآداب التي سايرت حركة ضبط التوليد.

إن الأسلوب الذي تعرض به هذه الآداب مقدمة المالطوسية الجديدة يتلخص في أن: كل إنسان يواجه -من فطرته- حاجات ثلاث، هي أشد وأعنف من سائر الحوائج. أولاها حاجة الغذاء، والثانية: حاجة الجمام والثالثة: الشهوة الجنسية وقد ثبّت القدر جميع هذه الحاجات في نفس المرء تثبيتًا، وجعل له في قضائها لذة مخصوصة حتى يرغب فيها ويحرص عليها فمن مقتضى العقل والمنطق أن يثب المرء إلى تحقيق تلك الحاجات. وهو يفعل ذلك في الواقع بالنسبة للحاجتين إلا أنه من العجب أن صنيعه بشأن الثالثة يختلف عن صنيعه في الأوليين إذ تلزمه الأخلاق الاجتماعية بأن لا يحقق شهوته الجنسية إلا في حدود النكاح. ثم توجب على الرجل والمرأة المرتبطين برباط النكاح أن يلتزما الوفاء والتعفّف، وتشترط عليهما فوق ذلك كله ألا يمنعا التوليد. كل هذه الأمور عبث وباطل، ومناقشة للعقل والفطرة ومخطئة في صميمها ومبادئها وعائدة على الإنسانية بأسوأ العواقب.

فانظر الآن هيكل الإنكار الذي يُشاد على هذه المقدمات الأساسية: يكتب بيبل زعيم الحزب الديمقراطي الألماني بلا تحرج:

"وهل الرجل والمرأة إلا نوع من الحيوان؟ وهل يكون بين أزواج الحيوانات شيء من قبيل النكاح .. بَلْه النكاح الأبدي؟!"

ويكتب كذلك الدكتور دريسدل ( Drysdale) :

"إن الحب كسائر رغباتنا وشهواتنا شيء قابل للتغيّر فحصره في طريقة مخصوصة أدغال في قوانين الفطرة. وإن شبابنا يميلون بطباعهم إلى هذا التغير بوجه خاص ونزعتهم هذه مطابقة لذلك النظام المنطقي الفطري الذي يتقاضى الإنسان أن تكون تجاربه في الحياة متنوعة متلونة .. إن العلاقة المطلقة من قيد النكاح مظهر للخلق العلي لأنها أدنى إلى نواميس الفطرة، ولأنها تنشأ عن العواطف والأحاسيس والحب المحض مباشرة. وأن الشوق والنزوع الذي تتولّد منه هذه العلاقة، شيء عظيم القدر غالي القيمة في الأخلاق. وأنّى تتيسر هذه الميزة لتلك المعاملة التجارية التي تجعل من النكاح في الحقيقة مهنة ( Prostitution) يُحترف بها".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت