فانظر كيف تتبدّل النظرية -بل كيف تنقلب رأسًا على عقب. فبينما كان يحاول القوم فيما قبل، أن يمحوا عن النفوس فكرة استشناع الزنى، حتى يستوي النكاح والسفاح في نظر الأخلاق، إذ هم يجاوزون ذلك إلى أن يحطّوا من قدر النكاح فيجعلوه عارًا ويرفعوا السفاح إلى درجة الفضيلة الخلقية. ويكتب هذا الدكتور نفسه في موضع آخر:
"الحاجة ماسة إلى اتخاذ التدابير التي تجعل الحب بغير قيد الزواج شيئًا يُجَلّ ويُكْرَم .. ومما يسرّ أن سهولة الطلاق في هذا الزمان لا تزال تمحق طريقة النكاح رويدًا رويدًا ولم يعد النكاح الآن إلا معاهدة بين شخصين على المعاشرة، لهما الخيار في إلغائها متى شاءا: وهذه هي الطريقة الصحيحة الوحيدة للارتباط الجنسي".
ويصرح بول روبين ( Paul Robin) الزعيم المالطوسي المشهور في فرنسا:
"من المغتنم أننا قد بلغنا من النجاح في مساعينا لمدة ربع القرن الماضي أنه قد أصبح ولد الزنية في منزلة أولاد الحلال فلا يبقى بعد هذا إلا أن يكون أولادنا جميعًا من هذا النوع الأول فقط. حتى نستريح من هذه الموازنة بين النوعين من الأولاد".
وهذا الفلسفي الانكليزي (مل) يقر في كتابه"حول الحرية" ( On Liberty) على أن يُحظر الزواج على كل من لا يستطيع أن يبرهن أنه يملك من وسائل العيش ما يكفي لحوائج الحياة. ولكنه لما نشأت في انكلترا مسألة محاربة البغاء ( Prostitution) عاد هذا الفلسفي نفسه يعارضها بكل شدة وقوة، بحجة أنها تحامُل على الحرية الشخصية وإهانة للعُمال، لأنها بمثابة معاملة لهم كمعاملة الأحداث الصغار.
فتأمل كيف يُكبرون ويحترمون الحرية الشخصية إذا استعملها المرء في ارتكاب الفاحشة. ولكنه إن أراد هبنّقة -في نظرهم- أن يستعملها لعقد النكاح، فلا يعود حقيقًا بأن تراعي حريته أو تُحترم. ولا يرضى القوم أن يتدخل فيها القانون فحسب، بل يعد أحرار الفكر من فلاسفتهم هذا التدخل من القانون عين المُقتضى والمطلوب. وهنا يبلغ انقلاب النظرية الخلقية مداه الأبعد وغايته القصوى التي لا مطمح بعدها لطامح، حيث ينقلب كل عار فضيلة، وتصبح كل فضيلة عار أو رذيلة.