وأدهى من ذلك وأمرّ أن قتل الأولاد هذا إلى الزيادة والانتشار بسرعة عظيمة. والحكومة الفرنسية ومحاكمها متهاونة مستخفة بهذه الجريمة العظيمة كصنيعها في إسقاط الحمل. فقد رُفع إلى محكمة (لوران) فتاتان قتلتا أولادهما. ولكنهما أعفيتا من العقوبة. وكانت إحداهما قد أهلكت ولدها بالإغراق على حين كان أقاربها لا يزالون يربّون لها ولدًا سابقًا، وكانوا مستعدّين لتربية هذا الآخر. ولكن الظالمة أبت إلا أن تقتل المسكين. وارتأت المحكمة أن جرمها هين يغتفر. وأما الأخرى فخنقت طفلها، ولما رأت فيه بعد، حشاشة نفس تضطرب، رمت به عرض الحائط فشجّت رأسه. وهذه المرأة أيضًا لم يرها القضاة الفرنسيون تستحق العقوبة أو القصاص. وفي سنة 1918م نفسها جيء إلى محكمة (سين) براقصة، حاولت نزع لسان ولدها من حلقه ثم حطمت رأسه. وأخيرًا قطعت منه الوتين. ولم تكن هذه المرأة أيضًا مجرمة عند القضاة أو المحامين.
فهل ترى من حيلة أو تدبير ينقذ من البوار أمة تمعن إلى هذا الحد الفاحش في عدائها لنسلها. إن التناسل أمر لا بد منه لاطراد بقاء أمة من الأمم. فكل أمة تعادي نشأها فإنها تعادي نفسها وترمي بنفسها إلى الانتحار. وهي تكفي بذاتها أن تمحو وجودها بأيديها وإن لم يكن من حولها عدو. والأمة الفرنسية -كما أسلفت- لا تزال تهبط فيها نسبة المواليد منذ ستين عامًا متوالية. ففي بعض السنين تزيد نسبة الوفيات على نسبة المواليد، وفي الأخرى تتساويان، وفي الثالثة لا تزيد نسبة الوفيات إلا بقليل جدًا. وبجانب آخر، لا يزال عدد الجالية المهاجرين في فرنسا ينمو ويكثر. فكانوا قرابة ثلاثة ملايين من بين اثنين وأربعين مليونًا من سكان فرنسا الأصليين سنة 1931م. وإن استمرت الحال على ما هي عليه الآن، فلا يُستبعد أن تعود الأمة الفرنسية، عند ختام القرن العشرين، أقلية في وطنها هي.
أما بعد، فهذه كلها هي نتائج تلك النظريات التي أقيمت على أساسها حركة تحرير المرأة والمحافظة على حقوق النساء في فجر القرن التاسع عشر!!