الصفحة 54 من 200

إن تربية الأولاد عمل خلقي سام، يتطلب من المرء مغالبة النفس، وترك الأهواء والرغبات، واحتمال المتاعب والمشاق، وبذل الأنفس والأموال. فلا يمكن أن يتأتى لهذه الخدمة السامية قوم أنانيون عبيد النفس، تغلب عليه البهيمية وحب الذات.

فمن ستين سنة أو سبعين، لا تزال الدعاية بحق حركة منع الحمل على أشدها. وقد زودت هذه الحركة كل رجل وكل امرأة من الأمة الفرنسية بمعرفة التدابير التي يستطيع معها المرء أن يتمتع بلذات العلاقة الجنسية، ثم يتقي عاقبتها الطبيعية أي الحمل والتوليد. وإن من بلدة أو قرية إلا تباع فيها عقاقير وآلات منع الحمل في بياض النهار، حتى صارت في متناول كل يد ومن نتيجة ذلك أن لم يعد استعمالها مقصورًا على أهل الدعارة، وحدهم، بل صار يستخدمها كثير من الأزواج المتزوجين. وأصبح من أماني كل زوجين منهم ألا يقتحم بينهما الولد هذا الدغل الوبيل الذي يكدّر صفو اللذات. وإن السرعة التي لا يزال ينخفض بها معدل التوليد في فرنسا. قد حدس منها العلماء والأخصائيون أنه يمنع توليد ستمائة ألف نسمة -على الأقل- في كل سنة، من جراء هذه العادة المنتشرة في البلاد.

وأما الحمول التي تستعصي على كل تلك الحيل والتدابير، وتستقر، فيتخلص منها بالإسقاط، ويمنع بهذا التدبير أربعمائة ألف نسمة أخرى من البروز. ولا تباشر هذا الإسقاط العوانس والأبكار وحدهن، بل تجاريهن في هذه السيئة المتزوجات أيضًا على قدم المساواة. ويعد هذا الفعل بريئًا من كل عيب في نواميس الأخلاق، بل يعد حقًا من حقوق المرأة واجبًا. والقانون، كأنه قد أغمض عينيه عنه، ومع أن الفعل جريمة في سجل القانون، إلا أنه لا يؤخذ ولا يرفع إلى المحكمة إلا واحدًا في كل ثلاثمائة من مرتكبيه. ثم إن الذين يُرفع أمرهم إلى المحاكم، يُبرّأ منهم هناك قدر 75 في المائة. وقد يسّروا من تدابير الإسقاط ونشروا علمها في العامة نشرًا جعل معظم النساء يباشرنه بأنفسهن. وأما اللاتي لا يقدرن عليه، فيجدن المعونة الطبية منهن على كثب. مما عاد به قتل الولد في الرحم أهون على القوم من قلع الضرس الموجع في الفم.

وقد مسخت هذه العقلية عاطفة الأمومة في المرأة مسخًا جعل الأم التي ما زالت الدنيا تعتبر حنانها أسمى مدارج الحب الإنساني تتضجّر من الأولاد، بل تكرههم، بل تعاديهم، فالذين يسلمون من الأولاد من غوائل تدابير المنع والإسقاط ويخرجون إلى حيز الوجود، يُعاملون بأشد ما يكون من الغلظة والقسوة. ويذكر بول بيورو هذه الحقيقة المؤلمة بما يأتي:

"كثيرًا ما نطلع في الجرائد على مصائب الأطفال الذين يسومهم آباؤهم سوء العذاب. وهذه الجرائد لا تذكر من تلكم الأحداث إلا ما يكون له خطر. ولكن الناس يعلمون: أي قسوة يُعامل بها هؤلاء الضيوف الثقلاء، الذين قد برم بهم آباؤهم لما هم قد نغّصوا عليهم لذة الحياة .. وهذه الأرواح المسكينة لا تجد إلى الوجود سبيلًا لا حينما تنكص بعض النساء عن الإقدام على الإسقاط. ولكنهم إذا جاؤوا في هذه الدنيا، يذوقون وبال مجيئهم فيها حقّ مذاقه".

وربما تبلغ هذه الكراهية للأولاد من بنات حواء أن يأتين بالمضحكات المبكيات. فقيل إنه مات لامرأة ابن ستة أشهر، فوضعت نعشه بين يديها ورقصت بالفرح وغنّت. ثم طافت بجاراتها تقول:"إنا لن نلد ولدًا آخر بعده ويا راحة نفسي ونفس بعلي من موت هذا العُليق. أفلا ترين أي مخلوق حقير هو هذا الذي لا ينقطع عن البكاء، ويظل يبث القذر في الفناء. يكاد المرء لا يتخلص منه أبدًا" (الصفحة 75) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت