الصفحة 60 من 200

إن النساء اللاتي قد اتخذن من الفحشاء حرفة برأسها في أميركا، يقدر مجموعهن -على أقل تقدير- بين أربعمائة وخمسمائة ألف. ولكن لا يقيسن القارئ أمر العاهرة الأميركية على ما يعهد من أمر العواهر في الشرق. فإنها لا تكون عاهرة بالنسب، بل هي امرأة من سواد النساء كانت إلى الأمس الدابر تحترف مهنة حرة، فابتليت بعشير السوء، ففسدت، ولجأت إلى حي البغايا، وستقضي فيه بضعة أعوام، ثم تغادر هذا الشغل وتتولى الوظيفة في مكتب أو معمل. وقد دل الفحص والتحقيق على أن نصف البغايا الأميركيات يأتين من خوادم البيوت، والنصف الباقي منهن يكن من العاملات في المكاتب والحوانيت والمستشفيات، ممن يتركن وظائفهن إلى هذه الحرفة. كل هؤلاء بيد أن بهذه المهنة في السن الخامسة عشرة أو العشرين في عامة الأحوال. حتى إذا بلغت إحداهن الخامسة والعشرين أو الثلاثين، هجرت البغاء إلى عمل آخر. فتعود تلك المرأة التي كانت إلى الأمس عاهرة فاجرة، موظفة ذات منزلة وشرف [1] ويستطيع القارئ من ذلك أن يدرك الحقيقة من وراء وجود خمسمائة ألف عاهرة في القطر الأميركي.

وإن البغاء في الغرب، كما مر في الباب السابق، هو بمثابة الشغل التجاري الدولي المنظم. فمن أكبر أسواقه في أميركا عواصم نيويورك وريودي جنيرو وبونس آيرس. ولكل من المركزين الأكبرين من مراكزه التجارية في مدينة نيويورك مجلس تنفيذي ينتخب رئيسه وأمينه بطريقة الانتخاب المألوفة. ولكل تلك المراكز مستشارون من رجال القانون، يراقبون مصالحها إذا هي وقعت في قضية قانونية. ثم تستخدم تلك المراكز نخاسين لمراودة الفتيات عن أنفسهن، يتجولون في البلاد بحثًا عن صيدهم. ومن امتداد نفوذهم في المجتمع أنه عُني رئيس رابطة الجالية بشيكاغو، ذات مرة، بإحصاء عدد الفتيات المُغويات في مدة خمسة عشر شهرًا، فعلم أنه وردت على مكتب الرابطة رسائل مائتين وسبعة آلاف فتاة، أخبرن فيها المكتب بكونهن في الطريق إلى شيكاغو. ولكنه لم تبلغ الغاية منهن، إلا ألف وسبعمائة. وما علم بشيء عن مصير الباقيات.

ثم هناك، علاوة على دور البغاء، دور للقاء ( Assignation Houses) ومحالّ للزيارة ( Call Houses) مفرّشة بالأثاث والرياش ومهيأة في كل حين لالتقاء السادة والسيدات إذا ما أراد أحدهم الاجتماع بالآخر. ودل الفحص أن كان في بلدة من البلاد الأميركية ثمان وسبعون دارًا من هذا الطراز. وكان في الأخرى 43 دارًا، وفي الثالثة 33 دارًا [2] وتلك الدور لا تغشاها الآنسات فحسب، بل تختلف إليها كثير من المتزوجات أيضًا [3] . ويقول كاتب إصلاحي شهير: إن ثلث الطبقة المتزوجة في نيويورك لا يتلزمون الوفاء في تبعاتهم الزوجية، مما يتعلق بأخلاقهم وأجسادهم. ولا تختلف حال نيويورك في هذا الباب عن المدن الأخرى" [4] ."

وللمصلحين الأخلاقيين في القطر الأميركي مجلس يعرف"باللجنة الأربعة عشرية" ( Comiittee of Fourteen) يُعنى بالفحص عن مكامن الفجور والتحقيق في حالة البلاد الخلقية واتخاذ التدابير العملية لإصلاح الأخلاق، على نطاق واسع وقد جاء في تقريرها: أن كل ما يوجد في البلاد الأميركية من المراقص والنوادي الليلية ومجالي الزينة ( Beuty Saloons) وأماكن التدريم ( Manicure shops) وحجرات التدليك ( Message Rooms) ومراكز تمويج الشعر ( Hair Dressings) قد أصبح جلّها مواطن للفجور ودورًا للبغاء، بل هي أقبح منها وأشنع، لما يرتكب فيها من الرذائل التي لا تصلح للذكر.

(1) "البغاء في الولايات المتحدة الأميركية": الصفحة 138 - 139.

(2) الصفحة 38 من كتاب (البغاء في الولايات المتحدة) .

(3) الصفحة: 96.

(4) الصفحة 116 من كتاب ( Herself) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت