الصفحة 83 من 200

إن أهم وأولى ما يواجهه المرء من المسائل في في هذا الصدد هو النزوع والميلان الجنسي كيف يكبح جماحه ويُحد من طغيانه. وقد مر آنفًا أن هذا الميلان في الإنسان أشد وأقوى منه في سائر الحيوانات ولا ينحصر الأمر في أن القوى المهيجة على أشدها في داخل الجسم الإنساني فحسب، بل الأمر أن قد نُشر في خارجه أيضًا، من كل جانب من هذا العالم الواسع ما لا يُعد من المحركات الجنسية. وهذه الغريزة التي قد أعدت لها الفطرة نفسها كل تلك الأسباب، لو أن الإنسان يأتي ويهيئ الأسباب لتقويتها وإنمائها بإعمال فكره وقوة اختراعه، ويختار لنفسه نوعا من التمدن، يزداد فيه هيامه الجنسي ويشتد مع الأيام، ثم تتيسر له فيه فرص إروائه وتسكينه، فإن هذه الغريزة لا جرم أن تفحش وتتخطى حدود الاعتدال، ويغلب العنصر الحيواني في الإنسان عنصره الإنساني كل الغلبة، وتأكل هذه البهيمة الجامحة إنسانيته وتمدنه معًا.

إن العلاقة الجنسية وما يتقدمها من المبادئ والحوافز، كل واحد منها قد جعلته الفطرة لذيذًا ممتعًا ولكنها لم تجعل هذه اللذّة فيه -كما سبق أن أشرنا إليه- إلا لتحقيق مقصدها وهو إنشاء التمدن. أما شغف الإنسان بهذه اللذّة متجاوزًا حد القصد، وانهماكه في طلبها دون سائر الأمور، فقد يجرّ وهو فعلًا ما زال ولا يزال يجرّ الخراب والدمار، لا على التمدن وحده، بل على النوع الإنساني أجمع. فانظر في أخبار الأمم البائدة وآثارها، تجد أن غريزة الشهوة كانت فاحشة فيهم ومتغلبة عليهم. فهذه آدابهم تراها مملوءة بالمواضيع الجنسية المهيجة، وهذه أخيلتهم وأفكارهم وقصصهم وأشعارهم وصورهم وتماثيلهم ومعابدهم وقصورهم- كلها ناطقة بطغيان شهواتهم. وانظر كذلك في أحوال الأمم التي هي سائرة اليوم في سبيل الخراب تجد القصد هو القصد والطريق هو الطريق ومهما حاول هؤلاء أن يخفوا شهواتهم المفرطة باسم الفن والأدب اللطيف وتذوق الجمال وما شاكله من الأسماء الجذّابة، فإن الحقيقة لا تتبدل بتبدّل السمة والعنوان. أرأيت ما هذا الذي قد جعل المرأة في المجتمع الحديث أرغب في صحبة الرجال منها في صحبة النساء؟ وجعل الرجل أحرص على عشرة النساء منه على عشرة الرجال؟ وما السبب في زيادة حب الزينة والتجمل في الصنفين مع الأيام؟ ولماذا تكاد المرأة تتجرد من ملابسها في هذا المجتمع المختلط؟ وما الذي يجعلها تكشف عن عورات جسمها وتعرضها على الأنظار عورة بعد عورة، والرجال ينادون: هل من مزيد؟ وما العلة في أن الصور الفاحشة والتماثيل المجردة والرقص العريان هي أحب الأشياء إلى الناس ولماذا لا تجد النفوس لذّة في الأفلام السينمائية ما لم تمازجها أحاديث الحب والغرام، وما لم يُضَف إليها كثير من مقدمات العلاقة الجنسية من القول الفاحش والعمل المهيّج؟ أرأيت ما هذه كلها وما شاكلها من المظاهر الكثيرة الأخرى؟ وهل تنمّ هذه كلها على شيء غير طغيان الغريزة في الأناثي والذكور؟ وهل يكون مصير التمدن الذي تقوم فيه هذه البيئة المفرطة في الشهوات غير الهلكة والثبور؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت